خطب

وصايا لعائلاتنا خارج ميزاب
العنوان وصايا لعائلاتنا خارج ميزاب
الكاتب أ. إبراهيم بـن عمر كركـاشة
المجال الأسرة والمجتمع
التاريخ 17-12-2010
عودة إلى القائمة

وصايا لعائلاتنا خارج ميزاب

 

الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون :

يقول الله تبارك وتعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُوْمَرُونَ }11 ـ التحريم ـ.

نستقبل هذه الأيام عطلة الشتاء وهي مناسبة ليأخذ الأساتذة والمعلمون والطلبة والطالبات قسطا من الراحة استعدادا لمواصلة المشوار بجد وعزم بعد الفصل الأول الدراسي الذي نتمنى أن يتحصلوا في امتحاناتهم على النتائج الجيدة بإذن الله .

فلنكن جميعا حريصين على فراغ أولادنا لنملأه بما يعود عليهم بالنفع والخير ولا نتركهم فريسة للفراغ القتال الذي قد يستغله الشارع وقرناء السوء وإخوان الشياطين والسهرات الماجنة والرحلات الفوضوية فتفسد أخلاقهم ويتغير سلوكهم ويتعلموا الفواحش والمنكرات لا قدر الله فلنراقبهم ولنوجههم بحكمة ورفق إلى ما يفيدهم ويبقيهم صلحاء مستقيمين داعين الله عز وجل قائلين :ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما .

وهذه العطلة هي أيضا مناسبة طيبة لإقامة أعراس أبنائنا وبناتنا من إخواننا وأحبائنا على المنهج الإسلامي والعرف الحسن ، ولأجلها تتوافد العائلات من ربوع وطننا العزيز إلى البلدة الأم الحبيبة التي طال اشتياقها إليهم ليرتموا في أحضانها الدافئة وليزوروا أقاربهم وأرحامهم وليوطدوا فيما بينهم العلاقات ويمتنوا الروابط والصلات وليشاركوا في هذه الأعراس والمناسبات المختلفة .  

وبهذه المناسبة السعيدة أود أن أنوه بعائلاتنا الكريمة وأشيد بإخواننا الفضلاء الذين شاءت حكمة الله تعالى وظروفهم الخاصة أن يغتربوا عن وطنهم الأم إما بمفردهم وإما مصحوبين بزوجاتهم وأولادهم إلى مدن الشمال والجنوب والشرق والغرب وخارج الوطن الكبير للعمل والتجارة والارتزاق متوكلين على من بيده خزائن السموات والأرض .

يسعدني أن أزودهم ببعض الوصايا والإرشادات تكون له زادا على الطريق ونبراسا يستضيئون به في حالك الظلمات ، وتذكرة لهم عند الغفلة والنسيان والمتاهات ، أجملها لكم في هذه الوصايا السبع فتقبلوها بقبول حسن وضعوها نصب أعينكم توفقوا وتنصروا وترزقوا وتؤجروا .

 

الوصية الأولى :

يا تجارنا الكرام ويا أرباب المصانع ويا أصحاب الحرف والصنائع  ويا أيها العمال والأجراء اتقوا الله في بيعكم وشرائكم ووفوا بوعودكم واعلموا أن الله يراقبكم وهو معكم أينما كنتم وإن بعدتم عن أهاليكم وذويكم وتحروا الحلال في معاملاتكم واحذروا الصفقات المشبوهة فضلا عن البيوع المحرمة بأي علة من العلل فلا تستهويكم الإغراءات والإشهارات والمظاهر الخداعة عن الذين قد يربحون الملايين في أقرب الآجال من الطرق الملتوية فهي سراب بقيعة يحسبها الظمآن ماء حتى إذا جاءه لمن يجده شيئا وستكون لهم سببا في هلاك رؤوس الأموال ومحق البركة في الحال والمآل .

الوصية الثانية :

حافظوا على مبادئكم السامية التي رسخها أجدادكم وآباؤكم فيكم ولا تزيغوا عن عقيدتكم الصحيحة التي تعلمتموها من مشايخكم وتحلوا بالأخلاق الفاضلة من صدق وأمانة ونزاهة وعفاف وسماحة وتضحية وتعاون خاصة الأمانة بشتى صورها فقد كانت ولا تزال خلق أسلافنا الصالحين وسمتهم البارزة وطابعهم المتميز في جميع معاملاتهم فاستأمنهم الناس على نسائهم وأعراضهم واستودعوهم أموالهم وأسرارهم فغدوا مضرب الأمثال على مر العصور والأجيال فاحذروا أن تشوهوا صورتهم أو تدنسوا سمعتهم ببعض التصرفات المشينة التي تصدر من بعض من لا خلاق له من خيانات وتجاوزات وأكل لأموال الناس بالباطل  وعلى أرباب المحلات وأصحاب المصانع أن لا يهضموا حقوق أجرائهم وأن لا يستغلوا ضعفهم وأن لا يكلفوهم ما لا يطيقون وأن لا يبخسوهم أشياءهم وأن يوفروا لهم العيشة الكريمة حتى يداوموا معهم ، وعلى العاملين والأجراء أن ينصحوا في أعمالهم وأن يحترموا مستخدميهم وأن يحمدوا الله على الجو المريح معهم وأن يبرهنوا على ذلك بالجد والعمل والمواظبة والانضباط وأن لا يغشوهم أو يخونوهم سرا وعلانية وأن لا يطالبوا بكل حقوقهم حتى يِؤدوا كل واجباتهم وأن يكون الخلق السائد بين الجميع :الصدق في النية والنصح في العمل والاحترام المتبادل .

الوصية الثالثة :

احرصوا على تنشئة أولادكم في ديار الغربة خاصة من هم وراء البحار تنشئة صالحة ، ثبتوا عقيدة التوحيد في قلوبهم علموهم القرآن وحفظوهم إياه وحصنوهم وهذبوا سلوكهم بدروس العقيدة والفقه والحديث والتاريخ الإسلامي وفضائل الأخلاق عن طريق الأشرطة والأقراص وابعثوا بهم إلى المدارس القرآنية فهي لهم الحصن الحصين من الزيغ والانحراف والضلال وراقبوا طهارتهم وصلواتهم واسألوا عن أصدقائهم وتخيروا لهم من بينهم من حسنت أخلاقهم وكرمت سجاياهم واحذروا أن يدنسوا أعراضهم بالقبائح والمنكرات والعادات السيئة ، أشغلوا فراغهم بما يفيد فالفراغ قاتل وإخوان الشياطين يتربصون الدوائر بالأحداث الأغرار ويقعدون لهم كل مرصد ليصدوهم عن ذكر الله وعن الصلاة وليلبسوا عليهم دينهم فاتقوا الله في أولادكم وفيمن هم تحت رعايتكم وكفالتكم من يتامى وغيرهم فإنهم أمانات في أعناقكم ، فقد قال رسول الله (ص) :{ إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع حتى يسأل الرجل عن أهل بيته } رواه ابن حبان .

الوصية الرابعة :

صونوا أعراض نسائكم وبناتكم من التبذل والامتهان واحفظوا شرفهن بالمحافظة على الحجاب الساتر والحشمة والحياء ، ولا تتركوهن يذهبن إلى الأسواق والدكاكين بمفردهن فيختلطن بالرجال وقد يعاكسن من طرف السفهاء أو يتعرضن للسرقة والاعتداء واحذروا من اصطحابهن إلى شواطئ البحار والأماكن المشبوهة حيث العري والتفسخ والانحلال والله سبحانه وتعالى يقول لهن آمرا وناهيا :{ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } ـ 33 الأحزاب ـ

زودوهن بأشرطة دروس الوعظ والإرشاد ليتفقهن في الدين واستغلوا حضور المرشدين والمرشدات إذا ما أتوكم زائرين واعقدوا رجالا ونساء معهم في مساجدكم ومحلاتكم جلسات للنصح والتوجيه والاستفتاء فإنهم لن يبخلوا عليكم بعلمهم وتجاربهم قال رسول الله (ص) { من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وإنما العلم بالتعلم } رواه البخاري .

الوصية الخامسة :

حافظوا على عباداتكم واعمروا مساجد الله واحضروا حلق العلم ومجالس القرآن وتعارفوا فيما بينكم وانشروا المحبة في أوساطكم وانبذوا من صدوركم كل ما من شأنه أن يفرق جمعكم أو يزرع بذور الكراهية والبغضاء وإياكم أن تشتغلوا  بسفاسف الأمور ومناقشة الاختلافات المذهبية والطائفية والسياسية أو بنبش الماضي والتعرض للأموات وتجريح العلماء وإنما كونوا يدا واحدة في السراء والضراء واتفقوا على أن لا تختلفوا وانزلوا للصالح العام عند رأي الأغلبية في جميع أموركم فيد الله مع الجماعة ولا تجتمع أمة الإسلام على الضلال واحفظوا ود بعضكم واحترموا جماعتكم وعقلاءكم أولئك الذين سبلوا أنفسهم وأوقاتهم وأموالهم لجمع الكلمة ولم الشمل ورأب الصدع فأخذوا بزمام الأمور بحكمة وبصيرة وبعد نظر جزاهم الله خيرا فكونوا معهم نعم الردء ودعاة خير وإصلاح ورسل هداية وفلاح واتحدوا ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين .

خذوا بأيدي شبابكم برفق وحنان وأطروهم واملؤوا فراغهم حتى لا يتيهوا في الشوارع والطرقات فتتلقفهم الآفات والمنكرات وذلك بتوفير الجو الملائم لهم من مكتبات ونواد رياضية موجهة وجمعيات أدبية ليبرزوا فيها مواهبهم ومهاراتهم ، حملوهم بعض المسؤوليات على حسب طاقاتهم حتى يكونوا خير خلف لخير سلف في المستقبل بحول الله ففي شبابنا خير وبركة والحمد لله .

هدانا الله جميعا لما يحبه ويرضاه ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن  محمدا عبده ورسوله .

أما بعد : فيا أيها الإخوة المؤمنون

لا زلت أواصل تزويد عائلاتنا خاصة منها المقيمة خارج ميزاب بالنصائح والتوصيات من باب { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ }

الوصية السادسة :

استغلوا العطل الدراسية والمواسم والأعياد والمناسبات للنزول بعائلاتكم وأولادكم إلى بلدكم الأم كلما سنحت لكم الفرصة وسمحت لكم الظروف ولا تفرطوا في ذلك ولا تعزفوا عنه فوسائل النقل المأمونة والمريحة والمحترمة متوفرة والحمد لله ولا تستثقلوا مصاريف النقل عليكم فإنها لثقيلة في الميزان وسيخلفها الله وهو خير الرازقين لأنكم تتقربون إلى الله تعالى بذلك السفر قال رسول الله (ص) :{ إذا أنفق الرجل على أهله نفقة وهو يحتسبها كانت له صدقة } متفق عليه .

ولا تسوفوا فتطول غيبتكم ويصعب عليكم الانتقال فسفركم إلى مسقط رؤوسكم لدليل على حبكم لأصولكم وجذوركم ورمز لحنينكم وشوقكم إلى ذويكم ودعوة إلى صلة الأرحام وتوطيد العلاقات وبرهان ساطع على وفائكم  للمبادئ والعادات الحسنة فإذا وصلتم سالمين إلى ميزاب فلتحافظ نساؤكم وبناتكم على الحجاب الصوفي رمز الأصالة والطهر والعفاف .

 وإن بقاءكم مع أقاربكم مناسبة لأن يتعرف أولادكم على أصالتهم وأعرافهم ومميزات مجتمعهم فيشبوا معتزين بأمجادهم وتاريخهم دوما ولو تغربوا أو هاجروا ، ولكن إن أنتم أهملتم هذا الواجب في حق نسائكم وأولادكم بسبب أو آخر فسرعان ما تنسى ذرياتكم تاريخها وأصالتها وقد يتعرف أولادكم على وسط آخر وعادات جديدة فيتطبعوا عليها ويذوبوا وتنمحي آثار هويتهم الأصلية فيكونوا غرباء ولو كانوا وسط أهاليهم وهذا ما لا نرضاه أبدا  فتأملوا وتنبهوا يرحمكم الله .

الوصية السابعة والأخيرة :

كونوا كرماء سمحاء بأموالكم نحو المشاريع الخيرية بشتى أشكالها خاصة التعليم بمدارسنا الحرة بجميع أطواره دون تردد  أو تأجيل أو تهرب فما قامت مؤسساتنا وما شيدت وجهزت إلا بفضل الله تعالى ثم بفضل تبرعاتكم ومساهماتكم المشكورة هنا وهناك فأنتم وإخوانكم هنا المصدر الأساسي لتمويل مشاريعنا الخيرية التي بها حافظنا على أصالتنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا فكونوا سباقين إلى رفع هاماتها عالية بما تقدمون من المساعدات السخية التي ستفرحون بها يوم القيامة { وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }، فأفرحوا كل متجول أتاكم ليدخر لكم في مصرف الآخرة واستقبلوه بوجه بشوش وصدر رحب و كرم حاتمي ومبالغ مشجعة ثم دعوا الألسنة تلهج بالدعاء لكم ولعائلاتكم وتجاراتكم بالبركة والحفظ والرعاية وبسط الأرزاق وستجنون بإذن الله ثمار خيركم عاجلة وآجلة  فقد قال تعالى : { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } 274 البقرة .

هذه وصايا لكم أيها التجار الأبرار ولمن سيأتي بعدكم من الأبناء الأخيار ضعوها نصب أعينكم وانشروها في أوساطكم تسعدوا في الدنيا والآخرة { إن ْ أُرِيدُ إلاّ الإِصْلاحَ ما أسْتَطَعْتُ وما توفيقي إلاّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ و إليْهِ أُنيْب }.

فاللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أبقيتنا واجعل ذلك الوارث منا اللهم انصرنا على من عادانا واجعل ثأرنا على من ظلمنا ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك و لا يرحمنا يا أرحم الراحمين .

اللهم اجعل السنة الجديدة سنة أمن وهناء واستقرار ووحدة وأخوة وازدهار اللهم اجعل بلدتنا هذه وسائر بلاد المسلمين آمنة رخية اللهم وحد صفوفنا واجمع فرقتنا ولم شتاتنا وأصلح أحوالنا وباعد عنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن  وحسن ختامنا واقبل توبتنا حتى نلقاك وأنت عنا راض يا أرحم الراحمين .

عباد الله { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }

وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين سبحان ربك رب العزة عما يصفون

وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .

مسجد التقوى

غرداية / يوم الخميس 10 محرم الحرام 1432 هـ / 16 ديسمبر 2010

الأستاذ الفاضل: إبراهيم بن عمر كركاشة

           

 

    

الاسم
البريد الالكتروني
الرد
حروف الشيفرة
اضافة رد