خطب

في ذكرى يوم العلم...
العنوان في ذكرى يوم العلم...
الكاتب أ. إبراهيم بـن عمر كركـاشة
المجال الأخلاق والآداب
التاريخ 15-04-2011
عودة إلى القائمة

في ذكرى يوم العلم

إلى الطلبة والمعلمين والأولياء

 

إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا .من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون :

تحتفل الجزائر على مدار العام بأيام تعتز بها وتفتخر هي للذكرى والاعتبار واستنهاض الهمم ، فمنها يوم العلم الذي يأتي في السادس عشر من شهر أفريل من كل عام ، وهي ذكرى متجددة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين وتتمثل في تاريخ وفاة مؤسسها الأول العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس عام 1940 م والتي تأسست في الخامس من شهر ماي من عام1931 م.بنادي الترقي،حيث اجتمع علماء ومشايخ وأعيان الجزائر وصاغوا القانون الأساسي للجمعية وكونوا إدارة لها أعضاؤها هؤلاء المشايخ : الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيسا ، الشيخ محمد البشير الإبراهيمي نائبا له ، الشيخ الأمين العمودي كاتبا ، الشيخ الطيب العقبي مساعدا له ، الشيخ مبارك الميلي أمينا للمال ، الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض نائبا له رحمة الله عليهم جميعا .

ولا تزال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تجاهد في سبيل الله بالقلم والكلمة الطيبة ، بارك الله في مسيريها وشعبها وأعضائها .

ويجدر بنا في هذه الوقفة التاريخية أن ننوه بالعلم والعلماء والمتعلمين ، وأن نبوئهم مكانتهم اللائقة بهم ، فأمة الإسلام هي أمة اقرأ ، فأول آية نزلت على الرسول محمد ( ص ) هي قوله تعالى : ( اقرأ بسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم  الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ).

والرسول ( ص ) يحثنا على التعلم فيقول : ) تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية وطلبه عبادة (.

وواجب علينا أن نهتم بالعلم ونشجع أهله ونتعاون على ترقيته ورفع قدره، والعلم لا يزهر ولا ينمو ولا يأتي بثمار يانعة ونتائج نافعة إلا إذا عرف حقه ثلاث قوى متضافرة على الخير متناصرة : الطلبة والمعلمون والأولياء.                                                                                                       فإذا قام كل بواجبه المنوط بكاهله، وشمر على ساعد الجد بكامله، فسوف تتحقق بإذن الله المعجزات، وترقى أمة الإسلام  إلى أسمى الدرجات .

أتوجه إلى كل قوة على حدة بهذه الكلمات المتواضعة لتوضع نصب الأعين توضيحا للرؤيا  وإضاءة للطريق من باب (و ذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين.)

أيها الطلبة الأعزاء:

أنتم أمل الأمة وذخرها ،وبكم تحيا مرفوعة الرأس موفورة الكرامة، فتسلحوا بأسلحة ثلاثة بها تقهرون عدو الجهل والخذلان، وتغنمون غنائم العلم والعرفان.وهذه الأسلحة هي: الأيمان الراسخ المانع والخلق الفاضل الجامع والعلم الصحيح النافع .

لقد فتحت أمامكم مجالات التعلم وتنوعت،وعرضت عليكم العلوم والمعارف وتعددت ، وكثرت لديكم وسائل الإيضاح وتوفرت ، فغدا المستحيل ممكنا والبعيد قريبا والصعب سهلا  والنادر متوفرا، وذلك  بفضل الله تعالى عليكم،  فانهلوا  من  هذا المعين ولا تتركوا الفرص تتفلت من  بين أيديكم فتتأسفوا، ولا تضيعوا أوقاتكم في اللهو والفراغ  فتتجرعوا غصص  الندامة ،واعرفوا للوقت  قيمته  فأهل الغرب يحسبون  للدقيقة  بل للثانية  حسابها ، فقد وقفوا  أنفسهم  على العلم والاكتشافات، وصمدوا  أمام الصعاب  والمشقات، فاخترعوا  وأبدعوا  وراحوا  يشقون   الأجواء بصواريخهم، ويغزون الفضاء  فسخروه  لأنفسهم ،ووضعوا  فيه أقمارا اصطناعية ومحطات فضائية، لأبحاثهم العلمية ولمراقبة الأرض وتحركات أهلها .                                                                                          

اعلموا أيها الطلبة أنهم ليسوا بأفضل منكم ،ولكن إن أنتم  نفضتم  عن أعينكم غبار النوم وتراب الكسل وغشاوة الجهل ، ووقفتم وقفة الأسود الكواسر والصقور الجوارح، وتذكرتم  أن أسلافكم  المسلمين  كانوا سباقين إلى الاكتشافات في ميادين الطب والهندسة والجبر والفلك، فاقتديتم بهم  وكرستم حياتكم للعلم، فإنكم بإذن الله تعالى ستلحقون بركبهم وقد تسبقونهم و تصبحون عليهم ظاهرين .

يا أبناءنا الطلبة :

لتكن ثقتكم بالله قوية، فإنه وحده الفتاح لمغاليق العلم والموفق لما فيه الخير والصواب ، آمنوا بالله حق الإيمان يمددكم بأنواره  ويفتح عليكم من أسراره، عضوا على دينكم بالنواجذ وحافظوا على ما افترضه الله عليكم ، واستعينوا بالصبر والصلاة،و اصبروا على ذل التعلم فإن عاقبته حلاوة وفلاح ،اصبروا على التحصيل بنفقاته وبحوثه وفروضه واختباراته .قال شاعر :

لا تحسبن العلم تمرا أنت آكله        لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

كونوا في الأقسام حاضرين بأجسامكم وعقولكم،وركزوا انتباهكم أثناء شرح الدروس وشاركوا وناقشوا بأدب  واستفسروا، فقد قيل لابن عباس  ( ض ) : أنى أصبت هذا العلم  يا بن عباس ؟ فقال : بلسان سؤول وقلب عقول .

تلطفوا مع أساتذتكم وتأدبوا عند مخاطبتهم، وتواضعوا لهم حتى يعطوكم من معارفهم وتجاربهم ، فقد قال لقمان لابنه وهو يعظه : يا بني لا تجادل العلماء فتهون عليهم فيرفضوك فإنما يلحق بالعلماء من صبر لهم ولزمهم واقتبس من علمهم في رفق.

إياكم أن تنشغلوا عن التعلم بمسلسل أو مباراة أو سهرة أو لعب .... فإن تلك الملهيات وغيرها من دسائس أعداء الإسلام الذين يحاولون جاهدين أن يصرفوا أبناء المسلمين عن التقدم العلمي وابتغاء المعالي حتى لا يتفوقوا، وحتى يبقوا دائما في المؤخرة ،فاجتهدوا وثابروا واسهروا الليالي في المذاكرة والاستزادة خاصة أيام الامتحانات والشهادات، وضعوا نصب أعينكم أهدافا سامية ولا تقنعوا قال شاعر:

شباب قنع لا خير فيهم      وبورك في الشباب الطامحينا.

إياكم ثم إياكم أيها الطلبة والغرور إذا ما تعلمتم حرفا أو نلتم شهادة أو شغلتم مركزا مرموقا ، فتزوروا عن مبادئكم، أو تستنكفوا عن خدمة مجتمعكم، أو تتكبروا على والديكم، أو تنكروا جميل من علموكم ، فالفضل فضلهم بعد الله عز وجل وعلى أكتافهم ارتقيتم، فالوفاء الوفاء أيها الأبناء ..واحذروا من مخالطة قرناء السوء فإنهم لا يزيدونكم إلا بخسا ورهقا،واجتنبوا المعاصي والفواحش وتعاطي التدخين والمخدرات  وجميع المنكرات، فإنها تحجب نور الهداية عن عقولكم فلا تجدون توفيقا ولا هداية ولا سدادا ولا بركة.قال شاعر:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي      فأرشدني إلى ترك المعاصي

وأخبرني بأن العلم نــــور    ونور الله لا يعطى لعـاص

أبناءنا الطلبة وفقكم الله وسدد خطاكم وفتح عليكم من خزائن علمه وجعلكم قرة أعين لوالديكم وللإسلام والمسلمين.

أيها المعلمون...أيها المربون الأوفياء:

إن أبناءنا وهم فلذات أكبادنا أمانات غالية بين أيديكم فاحفظوها يحفظكم الله،  وودائع عزيزة علينا فارعوها حق رعايتها ، وهم صفحات بيضاء فاكتبوا فيها كل خير، فأنتم مسؤولون عنهم اليوم وغدا بين يدي الله.

لقنوهم ما يفيدهم وينفعهم بنزاهة وصبر وصدق،ولا تشغلوهم بسفاسف الأمور والتوافه وما لا يجدي نفعا، فتضعف عزائمهم. قال شاعر :

وإذا المعلم ساء لحظ بصيرة     جاءت على يده البصائر حولا

احترموا أوقات التدريس قدوما وانصرافا حتى ينال الطلبة القسط الوافر من التحصيل، ولا تصطنعوا العطل المرضية  فيضيعوا في الشوارع،  فلا هم في أقسامهم يدرسون ولا هم في منازلهم يرتاحون ...                                                                                     فالتعليم أيها الأساتذة الكرام أشرف مهنة وأقدس مهمة، فهو رسالة قبل أن يكون وظيفة، فأدوا رسالتكم على الوجه الأكمل يبارك الله فيكم وفي أجرتكم ...أعينوهم على فهم ما استعصى عليهم، وخذوا بأيديهم بعزم إلى شاطئ النجاح فهو حلمهم وهدفهم ، فكونوا سببا في تحقيقه واعلموا أن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه ...كونوا قدوة حسنة أمام الطلبة في سمتكم وتصرفاتكم وأخلاقكم وأقوالكم،وأمثلة حية في الانضباط والتفاني والإخلاص ..ارفقوا بأولادنا، واعذروهم إذا ما صدر منهم بعض ما تكرهون فهم لا يزالون محتاجين إلى التربية والتوجيه، فقوموا اعوجاجهم برفق وحكمة، وما دخل الرفق شيئا إلا زانه وما دخل العنف شيئا  إلا شانه ..ازرعوا فيهم بذور المحبة والأخوة الإسلامية، وانفخوا فيهم روح التآلف والمودة، وحذروهم من التعصب والاختلاف المذموم وبث النعرات الطائفية والعرقية وبينوا لهم أخطارها ونتائجها  الوخيمة...

 

أيها الأساتذة والمعلمون : إننا نضع بين أيديكم أولادنا أمانات ، وثقتنا فيكم وفي استقامتكم طيبة فلا تخيبوا ظننا فيكم ، بارك الله فيكم وأحسن إليكم وأعانكم في رسالتكم وأصلح أحوالكم وأثابكم جزاء إخلاصكم  يوم القيامة جنة وحريرا....أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيـم.

ــــــــــــــــــ

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين .وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون :

أتوجه الآن إلى القوة الثالثة إلى الآباء وإلى أولياء الأمور ، فأقول:

 

أيها الآباء الكرام ويا أولياء الأمور:

حبذا لو تقللون من اهتماماتكم  بتجاراتكم وأموالكم وأسفاركم، وتوجهون بعض همكم نحو مراقبة أولادكم ومتابعة سيرهم العلمي ...احرصوا على مواكبتهم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى يطمئن أولادكم إلى أن وراءهم أيادي حنونة وحراسا أمناء يرعونهم ،فكلكم راع ومسؤول عن رعيته يوم القيامة  الزموهم وأحسنوا أدبهم وراقبوا أخلاقهم وتخيروا أصدقاءهم ، فلأن يؤدب الرجل ولده خير له من أن يتصدق بصاع ...عاملوهم  بالحسنى وتفهموا أمزجتهم وطباعهم، وخاطبوهم بأسلوب أبوي حنون ،لا تبخلوا عليهم إن طلبوا منكم ما يلزمهم من الكتب والأدوات المدرسية، وتيقنوا أن الله سيخلف لكم كل ما قدمتموه لهم ويعتبره صدقة مقبولة...لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا .    ومن كد على أولاده فأطعمهم وألبسهم من الحلال، وعلمهم ورباهم بلا من ولا أذى ولا تفضيل ولا تمييز فإنهم سيكونون بإذن الله حسنات في حياته ودعوات صالحة بعد مماته .. خصصوا لهم من أوقاتكم من حين لآخر جزءا ولو يسيرا  لزيارة المؤسسات التعليمية، لتتعرفوا على مسيريها ومعلميها وبرامجها، وتطلعوا على نتائج أولادكم، وتعرفوا مواطن ضعفهم فتقووها، وتنظروا إلى نقائصهم فتتلافوها بدروس التقوية إن لزم الأمر، حتى لا ترجعوا باللائمة على المؤسسة والإدارة والمدرسين إذا ما سقط أبناؤكم في الامتحانات  لا قدر الله.

اضبطوا أوقاتهم ذهابا وإيابا فذلك أضمن لسلامة أخلاقهم وعقولهم . حببوا إليهم العلم والتحصيل والمذاكرة ببعض المكافآت المادية وبكلمات الثناء والاستحسان حتى يتشجعوا ويتفوقوا ويحسنوا مستواهم  زودوهم بنصائحكم وتوجيهاتكم ودعواتكم الصالحة، فدعوة صادقة من الوالدين تهدي الولد وتنير له الطريق وتجعل منه رجلا صالحا ناجحا في حياته ومرضيا في الآخرة.

أيها الأولياء :

فرحكم الله بأولادكم ورزقكم من الطيبات وباعد عنكم كل سوء وبلاء.

وفي الختام لا يسعني إلا أن أقول في ذكرى يوم العلم: إذا تعاونت هذه القوى الثلاث : الطلبة والمعلمون والأولياء، وقام كل بواجبه بنصح وإخلاص، فستفتخر أمتنا بكوكبة من أولادنا العباقرة في شتى التخصصات والميادين، يزيحون عنها غطاء الذل والهوان، بنور العلم والإيمان، ويرفعون رايتها خفاقة بين البلدان، وما ذلك على الله بعزيز.

 

فاللهم اهدنا فيمن هديت وتولنا فيمن توليت وعافنا فيمن عافيت وبارك لنا فيما أعطيت واكف عنا شر ما قضيت فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك...ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ...اللهم بارك لنا في معلمينا وأساتذتنا ومشائخنا ومؤسساتنا التعليمية وجمعياتنا الخيرية وارحم من سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم...

اللهم وفق ولي أمرنا وجميع ولاة أمورنا إلى ما تحبه وترضاه ، اللهم هيئ لهم البطانة الصالحة ، اللهم أعنهم ووفقهم لما فيه صلاح العباد والبلاد...اللهم اجعل بلدتنا هاته وسائر بلاد المسلمين آمنة رخية، يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، واجعلنا لنعمك شاكرين، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ولا بما كسبت أيدينا ..اللهم باعد عنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن ...اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين  يا أرحم الراحمين ..

عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

 

غرداية يوم الجمعة 11 جمادى الأولى 1432 هـ / 15 أفريل 2011 م

 

الخطيب الأستاذ :  إبراهيم بن عمر كركاشة......

 

 

الاسم
البريد الالكتروني
الرد
حروف الشيفرة
اضافة رد