خطب

العنوان كبــــار السن
الكاتب أ. محمد بن قاسم حدبون
المجال متفرقات
التاريخ 05-06-2009
عودة إلى القائمة
كبار السن

كبار السن

 

 

الحمد لله القائل في محكم تنزيله}  اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ{ . سبحانه خلق الخلق بقدرته، وصرَّفهم في هذا الوجود والكون بعلمه وحكمته، وأسبغ علينا الآلاء والنعماء بفضله وواسع رحمته، خلق الإنسان ضعيفًا خفيفًا ثم أمده بالقوة في صحة والعافية، فكان به حليمًا رحيمًا، ثم يؤول به العمر إلى أرذله ليعاوده الضعف والخوار، سنة الله في الكون وفي الخلق، في الإنسان ضعف فقوة فضعف، كذا النبات يهيج ويخضر ثم يصفر ثم يكون حطاما.

في قوة الشباب يعيش الإنسان  أجمل الأيام والذكريات مع الأصحاب والأحباب، ثم تمر السنون والأعوام، وتتلاحق الأيام تلو الأيام، حتى نصير إلى المشيب والكبر، عندها يقف واحد منا، فينظر إلى الحياة كأنها لمح بصر، أو نسج من الخيال وضرب من الأحلام، نقف في آخر هذه الحياة وقد ضعف بدننا وانتابته الأسقام والآلام، الِجلدك فينا قد تجعّد، وثقل السمع، وضعف البصر، وبطِئت حركاتنا، وترهلت العضلات، ومن غير شعور منا يتغيّر كل ذلك ويعلونا الشيب، ومن أراد العبرة من نفسه قبل أن يأخذها من غيره فلينظر إلى صورتين له بين عشر سنين أو أكثر فينظر إلى حكمة الله فينا كيف نكبر ونتحول.. والخلاصة أننا لن نحيد عن قوله تعالى }إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ{.

عباد الله، حديثُنا اليوم سيكون عن المسنين، كبارِ السن في مجتمعنا من الأهل والأقارب والجيران، ممن نخالطهم في المساجد والمجالس. والمناسبة التي حفزتني للموضوع أيها الإخوة ما لاحظته في بعض الكبار من انزواء واستسلام لكبرهم، خاصة إذا لم يجدوا في محيطهم من يتفهم وضعهم، ويساير حاجتهم ومطالبهم. والأمر الثاني الذي يذكِّرنا بحقوق الكبار هو موسم الصيف، حيث يسافر الناس يتنزهون ويستروحون، حيث يخرج الناس إلى الأفنية والظلال بالغداة والعشي، يتنسمون الهواء العليلَ وينسون الكبيرَ العليلَ، حيث يصعد الناس إلى الأسطح في الليالي طلبا لنسمة أو ترويحة، وربما كبيرُ السن قابعا في ركن من الدار ينتظر من يخرجه إلى الفناء على الأقل في الصباح الباكر، ومن يطاوعه في صعود الدرج ليتبوأ مكانا في السطح في العائلة.

أيها الإخوة؟ لقائل أن يقول من هو الكبير وما حاله؟...

الكبير هو أنا وأنت، وكلنا تصدق فيه آية الروم التي تلوناها، فمن لم يبلغ الكبرَ اليوم بلغه غداً إن بارك الله في الأعمار... الكبير هو الذي رق عظمه وكبر سنه، وخارت قواه وشاب رأسه، إنه الذي نظر الله إلى ضعفه وقلة حيلته فرحمه وعفا عنه، قال الله تعالى: } إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ،فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا{  

نقف اليوم ـ أيها الأحبة ـ مع كبير السن، نقف مع حقوقه التي طالما ضُيِّعت، ومشاعره وأحاسيسه التي طالما جُرحت.

فيا معاشر الكبار، وكلنا ذاك.. أنتم كبار في قلوبنا، كبار في نفوسنا، كبار بعظيم حسناتكم وفضلكم بعد الله علينا، أنتم الذين عَلّمتم وربيتم وبنيتم وقدمتم وضحيتم، لئن نسي الكثير فضلكم فإن الله لا ينسى، ولئن جحد الكثير معروفكم فإن المعروف لا يَبْلى، ولئن طال العهد على ما قدمتموه من خيرات وتضحيات فإن الخير يدوم ويبقى، ثم إلى ربك المنتهى، وعنده الجزاء الأوفى، } إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً{.

أيها الشباب..

أنتم اليوم شباب وغدا أشياب.. ما تؤدونه اليوم من حقوق للكبير يوف لكم أجره عند الله ويؤد لكم...ومن الغريب أن يمسي كبير السن عند البعض من العائلات غريبًا حتى بين أهلِه وأولاده، ثقيلاً ربما على أقربائه وأحفاده، لا من يجالسه؟! ولا من يؤانسه؟! ويدخل السرور عليه ويباسطه.

فما حقوق الكبير علينا..

يا معاشر الشباب، توقير الكبير وتقديره أدب من آداب الإسلام، وسنة من سنن سيد الأنام عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى السلام.

من الإثم أن تؤول حكمة الكبير وخبرته في الحياة إلى ضياع وخسران، ليس من الشرع الحنيف ولا من شيمنا وعرفنا أن يسفَّه الكبيرُ أو يكون خطأه ستارا حاجبا لكل حسناته، ناهيك عن تعريضه للتجريح والتشكيك في نيته وإخلاصه، والله تعالى وحده العليم بالنوايا وما خبأته الصدور لم يُطلع علمَ ذلك أحداً ولا الملائكة المقربون، الحفظةُ الكاتبون.

والأصل أنه ما كان للكبار من حسنات نشرناها وذكرناها للاعتبار والاقتداء، وما كان من سيئات وهفوات غفرناها وسترناها، فإنه ليس من البر إظهار زلة من أحسن إليك دهرا.

إن إجلالَ الكبير وتوقيرَه مما أثنى عليه الله خيرًا كثيرًا, قال النبي (ص): ((إن من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم))، وقال (ص)"ليس منّا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا". إذا رأيت الكبير أخي فارحم ضعفه، وأكرم شيبَتهُ, وقدِّر منزلته وارفع درجته. جاء في الأثر عن أنس (رضي الله عنه) أنه قال: جاء أبو بكر بأبيه أبي قحافة إلى رسول الله (ص)يوم فتح مكة، يحمله حتى وضعه بين يدي رسول الله (ص)، فقال رسول الله (ص) لأبي بكر: ((لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه)).

الكبير في حاجة إلى قضاءِ حوائجه، فذاك سنة من سنن الأنبياء، وشيمة من شيم الصالحين الأوفياء، وفي قصة موسى مع ابنتي شعيب } قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ،فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ{.

ليس غريبا أن تجُول بالكبير الذكريات وقد رأى أن معظم أقرانه وجُلسائه قد فارقوا الحياة، هنالك ينبغي أن يظهر حرصنا الأكبر بمؤانسته حتى لا يشعر بالغربة، وكلُّه إيمان بالله تعالى مستحضرا قول الرسول الأكرم "طوبى لمن طال عمره وحسن عمله".

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيِّد المرسلين وبقوله القويم، أقولُ قولي هذا، وأستغفِر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله, خاتمُ الأنبياء وإمامُ المرسلين, اللهم صل وسلم وبارك على إمامنا وقدوتنا وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة المؤمنون..

يا معاشر الكبار..

يا معاشر الكبار، أنتم قدوة لأبنائكم وبناتكم وأهليكم، قدوة في مجتمعاتكم، فكن أيها الكبير محافظًا على الخير مقبلا على الطاعات، فبغض الله لعبده العاصي شديد وبغضه للعاصي الكبير أشد، قال العلماء في النذير الوارد في قوله تعالى}أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ{  أنه الشيب بعد الكبر.

إنّ الآلام والأسقام والأمراض التي تجدونها بسبب كبر السن الملائكة تكتبت حسناتِها، والله معظّم أجورها، وستجدونها بين يدي الله تعالى إن هي إلا ابتلاء وامتحان. فالله وحده العليم كم لهذه الأسقام والآلام من حسنات ودرجات. هي اليوم تُزعج وتقض المضاجع، لكنها غدًا بين يدي الله تعالى مفرحة ونعم أجر الصابرين. فلنصبر على البَلاء، ولنحتسب الأجر الجزيل عند الله تعالى، فإن الله لا يمنع عبده المؤمن حُسن العطاء، قال (ص): ((عجبت لأمر المؤمن، إن أمره كله خيرٌ؛ إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له, وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له)). نسأل الله أن يجزل ثواب الجميع، الكبيرُ المصاب المحتسِب، والذي أكرمه الله بكبير يتعهده ويخدمه محتسبا الأجر عند الله تعالى.

 

 

الاسم
البريد الالكتروني
الرد
حروف الشيفرة
اضافة رد