خطب

الظلم وعاقبته
العنوان الظلم وعاقبته
الكاتب أ. زهير بن مسعود باباواسماعيل
المجال الأخلاق والآداب
التاريخ 31-07-2009
عودة إلى القائمة
بيان جرم الظلم وخطورته

خطبة الظلم وعاقبته

التقوى 09 رجب 1430هـ/31 جويلية 2009م

 

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي حرَّم الظلم على نفسه، وجعله محرمًا بين العباد، وتوعَّد الظالمين باللعنة وأليم العقاب في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وكفى بالله شهيدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله حذر من الظلم, وأخبر أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تمسك بهديه إلى يوم الحشر والحساب.

أيّها المسلمون، إنّ الذنوبَ والمعاصي تعظُمُ عقوباتُها بحسب ضررها لصاحبها وللخلق، وإنّ الظلمَ منَ الذنوب العِظام والكبائر الجِسام، يحيطُ بصاحبه، ويفسِدُ عليه أمرَه، ويدركُه شؤمُه وعقوباتُه في الدنيا والآخرة.

ولأجلِ كثرةِ مضارّ الظّلم وعظيم خطرِه، وتنوُّع مفاسدِه، فقد نفى الله عن نفسه الظلم وحرّمه عليها, فقال عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة [النساء:40]، وعن أبي ذر t قال: قال رسول الله r فيما يرويه عن ربه: «يا عبادي, إني حرمت الظلم على نفسي, وجعلته بينكم محرمًا, فلا تظالموا» رواه مسلم

وقد أعلن النبي r حِرمة الظلم في أعظم موقف، فقال في خطبة الوداع: «ألا إنَّ دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم حرامٌ عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا»

أيها الإخوة المؤمنون إن البغيَ والظلمَ سببُ كلِّ بلاء وعقاب، متى فشا في أمة آذن الله بدمارها، ومتى شاع في بلدة فقد انعقدت أسبابُ زوالها، قال الله سبحانه وتعالى: وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا [الكهف:59]، وقال تعالى: ﴿ فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [الحج: 45].  

إخوة الإيمان إنّ أنواع الظلم متعدّدة، فمنها ما يكون بين العبد وربه، ومنها ما يكون بين العبد ونفسه، ومنها ما يكون بين العبد وغيره.

وأعظمها وأكبرها الشرك بالله، فأي ظلم أعظم ممن عبد من لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وأي ظلم أعظمُ من ظلم من دعا من لا يستجيب له إلى يوم القيامة، من دعا من لا يسمع دعاءه، ولو سمعه ما استجاب له؟!

قال سبحانه: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف:6]،

أيها المؤمنون, ومن أنواع الظلم: ظلمُ العبد لنفسه بارتكاب الكبائر، فكل ذنب أوخطيئة تقترفها ـ يا عبد الله ـ فإن ذلك ظلمٌ منك لنفسك وبغيٌ عليها، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:229]، فتجنبوا ـ عباد الله ـ ظلم أنفسكم بامتثال ما أمركم الله به، وترك مانهاكم عنه, والتوبة مما أخطأتم فيه.

ومن أنواع الظلم، وأخطرِها على العبد، ظلمُ الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم.

ومن ظلم العباد ظلم ذوي القربى ومن صوره ذلك الأب المسكين الذي يشتكي من ظلم أقربِ الناس إليه، من ظلم من رباه وخرج من صلبه، من ظلم من أنفق عليه وسهِر من أجل راحته، حتى رآه رجلاً جلدًا يمشي على الأرض قويًا، عندها أصبح خصمًا عنيدًا لوالده.

ومن ظلم العباد –أخي-  أن تؤذي الناس في طرقاتهم بشتى أنواع الأذى، فقد جاءت النّصوص المتضافرةُ في آيات قرآنيةٍ وأحاديثَ نبوية كلُّها تتضمّن الزجرَ الشديدَ من الإضرار بالمسلم قال الله جلّ وعلا: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحْتَمَلُواْ بُهْتَـٰنًا وَإِثْمًا مُّبِينًا [الأحزاب:58]. كما حذّرنا الرسول r بقوله: «إيّاكم والجلوسَ في الطرقات»، فقالوا: يا رسول الله، ما لنا بدّ في مجالسنا، نتحدّث فيها، فقال r: «إذا أبَيتم إلاّ المجلس فأعطُوا الطريقَ حقَّه»، قالوا: وما حقُّ الطريق يا رسول الله؟ قال: «غضّ البصر، وكفّ الأذى، وردّ السّلام، والأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر» متفق عليه.

فكيف بنا- أيها الإخوة المؤمنون- نرى شبابنا بل وكهولنا يعرّضون حياة المارة للخطر، جعلوا الطرق ساحةَ موت فجائي مؤلم، ونهجَ حوادثٍ مريعة مفجعة، لم تتمكّن الممهلات ولا الحواجزُ من تخفيف سرعتهم، أو التقليل من طيشهم.

كما لم يخجل آخرون من إرسال أبواق السيارات وزغاريد النساء، في ساعات متأخرة من الليل، غير آبهين بالمريض والمتوجّع. والكبير، وضاربين عرض الحائط بالنظم الاجتماعية والأعراف، التي سُنّت لحفظ النظام العام، والذي يعدّ من المقاصد العامّة لشريعتنا الغرّاء.

ومن الظلم -أخي- أن تضيّق على الناس في طرقاتهم العامّة، بأخذك لجانب مهمّ من الطريق، لعتبة تحمي بها رونق جدارك، أو أن توقّف سيارتك على الرصيف فتجبر من وضع لأجله ذلك الرصيف على السير في الطريق ليكون عرضة للمخاطر.

أيها الإخوة المسلمون، ومن صور ظلم العباد الوقوعُ في أعراضهم، باغتيابهم، والسعيِ بينهم بالنميمة، وهمزهِم، والسخريةِ بهم، ومحاولةِ إلصاق التهم بهم، وهم برآء من هذا كله، فعن ابن عمر t أنّه قال: صعد r المنبرَ فنادى بصوتٍ رفيع فقال: «يا معشرَ من أسلم بلسانِه ولم يَفضِ الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلِمين، ولا تعيّروهم، ولا تتَّبعوا عوراتِهم، فإنّه من تتبّع عورةَ أخيه المسلم تتبّع الله عورتَه، ومن تتبّع الله عورتَه يفضحه ولو في جوفِ رحله».

ومن صور ظلم العباد أيضا المماطلة في تسديد الديون، واستغلالُ ضعفِ الأجراء، وانتهازُ عجزهم، فتستغلّ جهودُهم وأوقاتهُم، ثمّ يبخسون فلا يوفَّون حقوقَهم، أو يُتماطل في تسديد رواتبهم، وقد روي عن رسول الله r أنّه قال: «أعطوا العامل أجره قبل أن يجفّ عرقه».

فأعط كل ذي حق حقه، واتق الله تعالى وأقلع عن ظلم العباد، قبل أن تلقى الله بهذا الظلم الشنيع، فتندم في ساعة لا ينفع فيها الندم. يقول r: «من كانت له مظلمةٌ لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم، قبل ألا يكون دينار ولا درهم» رواه البخاري.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، أمر بالبر والإحسان، ونهى عن الظلم والعدوان، وأشهد أن لا إله إلاّ الله العزيز الغفّار. وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله المصطفى المختار. صلى الله عليه وعلى صحابته البررة الأطهار.

عباد الله، إن من يتعامل مع الناس ويخالطهم، لا يخلو من أن يتلوَّث بشيء من المظالم، فعلى المسلم أن يتدارك نفسه في حياته، ويتخلّص من مظالم العباد، يتخلص منها في هذه الدنيا قبل أن يمكَّن المظلومون من حسناته، ويُحمَّل من سيئاتهم، يقول الله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأبصَـٰرُ [إبراهيم:42].

فتذكر- أخي- تلك المواقف التي تقفها في الدنيا والآخرة، فأول تلك المواقف يوم تجد جزاء ظلمك معجلاً، دعوة مظلوم اخترقت السبع الطباق وجاءت إلى الجبار فأقسم جل جلاله لأنصرن صاحبها ولو بعد حين. فاتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب.  

قال r: «ثلاثة لا ترد دعوتهم...» وذكر منهم «..دعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين» رواه الترمذي.

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرًا     فالظلم آخرُه يأتيك بالنـدم

نامت عيونُك والمظلومُ منتبِه     يدعو عليك وعينُ الله لم تنم

ثمّ هل فكرت أخي المسلم في وقوفك أمام الجبار وسؤاله لك عن هذه المظالم؟ فهل ستعتذر؟ أم ستطلب الرجوع إلى دار الدنيا لتتخلص من المظالم؟ فكل ذلك محال وبعيد.

يقول الحق سبحانه: ﴿لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِين [الأعراف: 41]

فيا أخي، إن ما أكلت من مظالم العباد قد ينساها الناس، ولكنها محفوظةٌ عند الله، ﴿أَحْصَـٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة:6]. فتخلص من ظلمات العباد، ولا تدع ورثتك يعيشون في أموال الظلم ويأكلونها هنيئا مريئا، وقد يدخلون بها جنة الرضوان، وأنت بسببها سوف تحاسب حسابا عسيرا، وتصلّى سعيرا. وتذكّر وقوفك بين يدي من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ﴿ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوٰهِهِمْ وَتُكَلّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [يس:65]، حينها يقولون لجوارحهم: ﴿لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِى أَنطَقَ كُلَّ شَىْء وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [فصلت:21].

اللهم إنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير, ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك على كل شيء قدير.

اللهم إنا نعوذ بك أن نَضِلّ أو نُضل ، أو نزلّ أو نُزلّ ، أو نظلم أو نُظلم ، أو نجهل أو يُجهل علينا

ألّف اللهم على الخير قلوبنا ، وأصلح ذات بيننا ، واهدنا سبل السلام

وصل اللهم وسلم على نبيّك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. سبحن ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين

الاسم
البريد الالكتروني
الرد
حروف الشيفرة
اضافة رد