منشورات

الكسب الطيب
العنوان الكسب الطيب
المجال متفرقات
التاريخ 19-05-2009
عودة إلى القائمة

الكسب الطيب

أيُّها التاجر الصدوق.. إيّاك أعني!!

المال نعمةُ الله، هو عصب الحياة، وشريان الاقتصاد، وقوام الأعمال؛ هو ازدهار الحضارات والأمم. هو النجاح والرضوان، أو الهلاك والخسران.

لا بُدَّ في كسبه من فقه أحكامه، ومعرفة الحقوق المتعلّقة به؛ فبالعلم عُبد اللهُ، وبالجهل عُبد الشيطان.

ولا شكّ أنّك أخي المؤمن في حاجة إلى كثير من الفقه بأحكام البيع، فإن لم يكن عندك هذا الهمَّ، فعليك أن تحمله. ذلك أنَّ الرزقَ الحلالَ سرُّ البركة، والكسب الطيّب سبب في صلاح الذرّيّة، وطهارة المجتمع.

إنّ مسجد التقوى يرسم معك بداية الطريق إلى صفات التاجر الصدوق، ذلك التاجر الناجح في الدنيا، المرافق للأنبياء والصديقين في الآخرة. ثِق أنّك تستطيع أن تجمع بين نجاحين، نجاح الدنيا ونجاح الآخرة...

هي خلاصة الأيام التحسيسيّة حول تطييب الكسب المنعقدة بالمسجد؛ وتعميما للفائدة، اجمع الشريط بالكتاب، وضُمَّ السماع إلى القراءة، واحرص كلّ الحرص على العمل بما عَلِمت، فتلك حجّة قائمة عليك، وإنّ الله تعالى سائلك، ماذا عملت فيما علمت؟!

إذن.. فلنتعاون جميعاً على شقِّ طريق النجاح في الدنيا والفلاح في الآخرة. والموفق للصواب، والهادي للتي هي أقوم.

نظرة الإسلام إلى المال

1. أولى الإسلام للمال عناية بالغة، فهو عصب الحياة، وأحد الكليّات التي جاء الإسلام لحفظها؛ به قوام الأعمال، وصلاح الأحوال.

2. ولله درّ أحمد شوقي القائل:

بالعلم والمال يبني الناس ملكهم لم يُبنَ مُلك على جهل وإقلال

3. للمال وظيفة اجتماعيّة فوق الوظيفة الاقتصاديّة، هو وسيلة إلى الحياة الكريمة للإنسان في الدنيا، وسبب لفوزه في الآخرة.

4. جُبِل الإنسان على حبّ المال، وطُبِع على جمعه وكنزه. بذلك حكم الخالق وبه شهد "وتحبّون المال حبا جمًّا". وعن ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ" (رواه البخاري).

5. وضع الإسلام للمال ضوابط في كسبه وإنفاقه. وجب عليه فقه أحكامه.

6. المال مال الله، خالقِ كلّ شيء، المالكِ الحقيقيّ لهذا الكون. قال تعالى: "ولله ملك السموات والأرض".

7. للإنسان حقّ الانتفاع المؤقّت، فهو مستخلف في مال الله، ونسبة المال إليه نسبيّة ومؤقّتة؛ والاستخلاف في المال من باب الابتلاء قال تعالى: "وأنفقوا ممّا جعلكم مستخلفين فيه".

8. المال وسيلة وليس غاية؛ هو وجه من أوجه العبادة، هو وسيلة لطاعة الله وعبادته، يسخّره لسعادته في الدارين، ويشتري به رضا الوهاب المنان. وليحذر أن يكون سبب هلاكه وشقائه. أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ" (رواه البخاريّ). [أي شقي وهلك من فتنه المال وأنساه ذكر الله]

9. المال نعمة وابتلاء، وليس هو دليلا على الرضا والمنزلة عند الله، كما أنّ الفقر ليس دليلا على السخط. بل هما وجهان من أوجه الابتلاء "ونبلوكم بالشر والخير فتنة".

فضل الاسترزاق ومكانة العمل في الإسلام

1. حثَّ الإسلام على العمل ودعا إليه، ورغَّب في العمل المشروع مهما كان نوعه. فعن رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ قَالَ: "عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ" (رواه أحمد).

2. مجالات العمل واسعةٌ متعدّدةٌ، والإنسان الشريف هو مَن يكسب قوته من عمل يده. عَنْ الْمِقْدَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ" (رواه البخاري).

3. على الإنسان استحضار النية الصالحة في عمله، ويرجو ما عند الله في عمارة الأرض. عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى" (رواه الربيع وغيره).

4. الإنسان مستخلف على الأرض ليعمرها بالخير؛ وعمارتها تستدعي الحركة والعلم والعمل. قال تعالى: "هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور".

5. يتكامل أفراد المجتمع العَمَّال، ويكون بعضهم لبعض شخريّا. يقول الشاعر الحكيم:

الناس للناس من بدو وحاضرةٍ بعضٌ لبعضٍ –وإن لم يشعروا- خدمُ

6. مفهوم العمل في الإسلام يجمع بين تحصيل الرزق في الدنيا والأجر للآخرة. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ" (رواه البخاريّ).

7. يصير العمل بحسن النية عبادةً، فيستحق صاحبُه الأجرَ على ذلك، ويكون مع أهل العبادة

8. العمل المبرور جزاؤه الجنّة، وفي الأثر "من أمسى كالاًّ من عمل يده أمسى مغفوراً له".

كرامة المؤمن تُحفظ وتُصان بالعمل

1. وجب على الإنسان أن يكون حريصا على كرامته، يطرق جميع أبواب الرزق الحلال؛ ولا يرضى أن يذل ّ أو يهون بالسؤال. عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ" (البخاري وغيره).

2. يرسم الرسول الكريم خطّة العمل للكسب الحلال، وبذل عرق الجبين في سبيل العيش الكريم، وذلك خير من أن يُريق الإنسان ماء وجهه، ويطلب المساعدة من غيره، سواء لقي عونا أو صُدّ صدوداً.

3. كرامة الأمم والجماعات من كرامة الأفراد. وأمّة تمدُّ يدها وتعتمد على غيرها أمّةٌ ضعيفةٌ مهزومةٌ، لا تشرِّف الإسلام، تتجرّع الذلَّ والهوانَ، شأنها في ذلك شأن الأفراد.

4. الإنسان الفاعل هو الذي يكفي نفسه وينفع غيره، عن أَبي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ أَنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ، وَلَا تُلاَمُ عَلَى كَفَافٍ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى" (رواه مسلم).

5. المجتمع الفاعل مصادره الماليّة من زكوات وصدقات وفيرة، مجتمع يحمل فيه الكَلُّ والضعيف والمعدوم. "والذين هم للزكاة فاعلون".

6. نفع الإنسان العامل يعود عليه وعلى بني جنسه، بل حتى على الحيوان والنبات وما يحيط به.

من هدي الشرع في آداب البيوع

1. التَّبْكِيرِ فِي طَلَبِ الْمَعِيشَةِ. عَنْ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا". (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ). وَكَانَ صَخْرٌ –راوي الحديث- رَجُلًا تَاجِرًا , وَكَانَ إذَا بَعَثَ تِجَارَةً بَعَثَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ, فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ.

2. اسْتِحْبَابِ السَّمَاحَةِ فِي الْبَيْعِ وَالشَّرْيِ وَالتَّقَاضِي وَالِاقْتِضَاءِ وَإِرْجَاحِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ. قَالَ تَعَالَى: "وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ". وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحًا إذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى" (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). والْمُسَامَحَةُ مطلوبة أكثر فِيما يساعد على أداء الطَّاعَاتِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِلْبَرَكَةِ وَالزِّيَادَةِ.

3. ذَمُّ الإكْثَارَ من مُلَازَمَةَ السُّوقِ، وَصَرَفَ أَكْثَرَ الْأَوْقَاتِ إلَيْهَا؛ وبخاصة إذا شغلته عَنْ الْعِبَادَةِ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أَحَبُّ الْبِلَادِ إلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا, وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا" (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَغَيْرُهُ

4. دعاء دخول السوق لمن أقبل على دخوله. كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا دَخَلَ السُّوقَ قَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ السُّوقِ وَخَيْرَ مَا فِيهَا, وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا, اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُصِيبَ فِيهَا يَمِينًا فَاجِرَةً, أَوْ صَفْقَةً خَاسِرَةً" (رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ).

5. النية الحسنة والقصد الطيّب مما يبيعه الإنسان أو يبتاعه. كأن يقول: اللَّهُمَّ إنِّي اشْتَرَيْته أَلْتَمِسُ فِيهِ مِنْ فَضْلِك, فَاجْعَلْ لِي فِيهِ فَضْلًا, اللَّهُمَّ إنِّي اشْتَرَيْته أَلْتَمِسُ فِيهِ رِزْقًا, فَاجْعَلْ لِي فِيهِ رِزْقًا.

من هدي الشرع في أحكام البيوع

1. وجب عليك أخي المؤمن التَّفَقُّهُ فِيمَا تَتَوَلَّاهُ مِنْ التَّكَسُّبِ: لِتعْرِفَ صَحِيحَ الْعَقْدِ مِنْ فَاسِدِهِ , وَتسْلَمَ مِن الرِّبَا. وَلاَ يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ بِالِاسْتِدْلَالِ كَمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ الْأَمْرِ بِالتَّفَقُّهِ, بَلْ يَكْفِي مَعْرِفَتُهَا عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ إمّا بالسؤال أو بالتقليد. وَقَدْ أُثِر عن عَلِيٌّ رضي الله عنه أنّه قال: "مَنْ اتَّجَرَ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَقَدْ ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا, ثُمَّ ارْتَطَمَ".

2. قال تعالى "وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ" فَالآية عَامَّةٌ تَتَنَاوَلُ كُلَّ بَيْعٍ، وَتَقْتَضِي إبَاحَةَ جَمِيعِهَا إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ. وبالتالي فإنّ أصل البيوع كلّها مباح إلاّ ما خصّه الشرع.

3. عوّد نفسك على حفظ الْيَمِينِ فِي الْبَيْعِ فهي منهيٌّ عنها. لا تتخذ يا أخي من اسم الله هزؤا، ولا تجعل الله عرضة لأَيمانك. واستحضر وعيد الرسول فيما رواه أبو هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ" وفي رواية للرّبح وللكسب. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).

4. عليكَ بالصدق في القول والنزاهة في العَرض. فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: "التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ" (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). أي إذا قصد بتجارته الخير، فإنَّ العملَ يصير بحسن النية عبادةً، فيستحق صاحبه الأجر على ذلك ويكون مع أهل العبادة.

5. احذر يا أخي سرقة الكيل وتطفيف الميزان: فكيف ترضى لنفسك يا أخي ثمنا كاملاً، ولغيرك مقابلاً ناقصا.

6. لازم الْوَرَعِ فِي الْبَيْعِ وَاجْتِنَبِ الشُّبُهَاتِ. عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ, وَبَيْنَهُمَا شُبُهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ, فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ, وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ, كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ, أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى, أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ, أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ, وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ, أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ" (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وغيرهما). وَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنهما قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: دَعْ مَا يَرِيبُكُ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ" (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).

7. أذِكرِ الْعَيْبِ الْمَوْجُودِ فِي السلعة إنْ كَانَ فِيها عَيْبٌ، ظَاهِرًا كَانَ أَمْ خَفِيًّا, وَلأنَّ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ الْإِيمَانِ وَالنَّصِيحَةِ.

8. إيّاك والاحتكار: وَهُوَ جَمْعُ الطَّعَامِ وَحَبْسُهُ تَرَبَّصاً للغَلاء. وَهو محرّم مَعَ حَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ. عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ" (رواه ابن ماجة). عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله قال: "لاَ يَحْتَكِرُ الطَّعَامَ إلاَّ خَاطِئٌ وَأَنَّهُ مَلْعُونٌ". وقال عليه السلام: " حَدَّثَنَا سُرَيْجٌ حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ احْتَكَرَ حُكْرَةً يُرِيدُ أَنْ يُغْلِيَ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ خَاطِئٌ" (رواه أحمد). وَتَثْبُتُ الْحُكْرَةُ فِي الأقوات وفي كلّ ما من شأنه أن يضيِّق على المسلمين معيشتهم.

9. احذر الغشَّ في المعاملات بجميع ألوانه وصوره. "ومن غشّنا فليس منا" وأنت أعلم أخي بسلعتك، فاتقّ الله في إخوانك، لا تكتم العيب، ولا تخفي الفساد لا تستغل جهل الزبون، ارحم غفلة البسيط.

10. لا تبع ما أصله نجاسة محرّمة كميتة أو خنزير أو ما هو محرّم شرعا. فَلَا يُنْتَفَعُ مِنْ الْمَيْتَةِ إلَّا مَا خَصَّهُ دَلِيلٌ كَالْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ مثلاً.

11. اعلم أنَّ كلَّ مسكر أو مفتر أو مخدّر محرّم بيعه شرعاً. والكلُّ يدخل في عموم الأدلّة المحرِّمة للخمر. وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ" (رواه الترمذيّ)

12. دعِ عنك مدح السلعة إذا بِعت، ولا تظهرها بغير ما فيها؛ والإثم يتضاعف لو رافق ذلك كذب ومبالغة وحلف.

13. اجتنب كثرة الذمّ إذا اشتريت، ولا تظهر ما لا تحتمله السلعة من تتبع للعيوب والمثالب التي قد يُبالغ فيها.

14. وجماع القول أن يُقال: مَنْ بَاعَ وَاشْتَرَى فَلْيَحْفَظْ خَمْسَ خِصَالٍ وَإِلَّا فَلَا يَشْتَرِي وَلَا يَبِيعُ : الرِّبَا , وَالْحَلِفَ , وَكِتْمَانَ الْعَيْبِ , وَالْمَدْحَ إذَا بَاعَ , وَالذَّمَّ إذَا اشْتَرَى.

هذه من أسباب الرزق الحرام فاحذرها

9 الجهل بأحكام المعاملات؛ أو التجاهل والتمادي في الغفلة والتهاون بالأحكام.

9 استعجال الرزق وطلب الربح السريع.

9 عدم الاقتناع بما قسم الله. وطلب المال بأيّ وسيلة كانت. عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ" (رواه ابن ماجة).

9 الاستغراق في طلب الملذّات حتى يعتدي على الحقوق ويثقل بالديون.

9 الوقوع في الحرام: فالهوى المطاع يؤدّي إلى ما لا يستطاع. "إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ"

9 المتاجرة بما حرّم الله تعالى: "ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلُّنهم بغير علم".

9 الغش في المعاملات بشتى ألوانه وصوره. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا فَقَالَ مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي" (رواه مسلم).

9 الحلف وتغليظ الأيمان.

9 ومن منابع المال الحرام: الربا- أكل مال اليتيم- السرقة، تطفيف الكيل، الرشوة، القمار والميسر- بيع المحرمات والشبهات- التعدّي على الأوقاف- التماطل في أداء الديون- تضييع ثلث الآخرة- قبض الزكاة من غير حقٍّ.

توثيق العقود وحفظ العهود

? احرص أخي على تقييد العقود، وكن صريح العبارة، دقيق الإشارة، حتى لا يحدث التلاعب ولا يحدث الخلاف.

? الأيام غير مأمونة العواقب، فلا تركن إلى الثقة المفرطة، ولا يغرنّك التسويف؛ ولكن حصّن الثقة بالكتابة.

? أخي إذا ما وقع خلاف أو خصام في عقد من العقود أو في حقٍّ من الحقوق، فإيّاك وحبُّ الدنيا، واحذر أموال الناس؛ استفت نفسك وضع يدك على صدرك، واحذر أن تمتدّ يدُك أو تفكّر فيما ليس بملكك. عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا" (رواه البخاري).

? أخي.. كيف يغمض لك جفن وأنت تنام على أموال الأجراء، وكيف يحلو لك طعام وأنت تقتات على عرق الضعفاء، أم كيف يهنأ لك بال وقد تعلّقت بذمّتك حقوق التعساء. إيّاك أن تكون ممّن توعّدهم رسول الله بقوله: "ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ". (رواه البخاريّ).

من صور الغش في التجارة

1. خلط الجيّد بالرديء بدعوى "اشر ما شافت عينك". ولا يعتبَر الخلط محرّما إذا أخبر المشتري بذلك، وبيع منذ البداية أنه مخلوط. أو وضع كل نوعيّة على حذا.

2. التحايل في زيادة الوزن: بإدخال عنصر دخيل لزيادة الوزن، كالماء، أو التراب..

3. بيع الشيء الناقص وزنا مع التصريح بالوزن الكامل، والأولى بيعه على أساس الوحدة أو الكيس أو غير ذلك وليس على أساس الوزن وهو ناقص.

4. بيع السلع الفاسدة: خاصّة المصبَّرات والمعلّبات؛ وكثيراً ما أدّى ذلك إلى التسمّم والأوجاع إن لم يكن موتا أحيانا. فالذنب مضاعف، والحرمة متعلّقة بالغش وإضرار الغير.

5. بيع ما لم تقبض وربح ما لم تضمن: فكلّ شيء له مالكه، وما لم تملكه لم يجز بيعه. وربح ما لم تضمن أي ما دخل في مسؤوليتك لك غنمه وغرمُه، والضمان يتبع المِلك. قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنُ وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ" (رواه الترمذي).

مثاله: أن تحضر لزبون من الجار سلعلة ليست عندك إما بطلب منه أو باقتراح منك؛ فتحرّي الحرام يقتضي:

? إمّا أن تشتريَها من جارك التاجر بثمن معيّن، وتبيعها أنت من جديد على أساس أنّها ملكك.

? أو تبيعها على ذمّة المالك الأوّل بنسبة معيّنة من الربح تكون محلّ اتفاق. وتكون في هذه الحالة كالأجير.

واحذر أخي ممّا صورة منتشرة: وهي أن تأخذ السلعة بنية العرض فإن اشتراها الزبون أخذت الفائدة مع الجار، وإن ردّها عادت السلعة إلى صاحبها الأوّل. فذاك بيع ما لم تملك. واسأل نفسها إن أتلفت أو سرقت أو هلكت فعلى مَن تكون الخسارة؟

من صور الغش في الصناعة والحرف

1. الرغبة في تكثير الإنتاج تدفع إلى غش في النوعيّة أو تلاعب بالجودة.

2. سرقة الماركات التجاريّة، وتزييف علامات الجودة.

3. إخلاف المواعيد والعهود في عقود الاستصناع بالمبادرة إلى الكذب على الزبون للتحكّم فيه.

4. تشهير السلع بذمّ وتشويه سلع الآخرين. وهذا ليس من المنافسة في شيء.

بين الأجير والمستأجر

هذه بعض حقوق وواجبات متبادلة بين الأجير والمستأجر، ليحرص كلُّ طرف على أداء ما عليه قبل أن يسأل ويحرص ما له!

? ليحرص كلٌّ منهما (الأجير والمستأجر) على مصلحة الآخر حتّى يبارك الله لهما. ولتكن بينهما النية والصفاء.

? الأجير أمين في مال سيّده، فليتّق الأجيرُ ربّه. "وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ". (رواه البخاري وغيره).

? إعط للأجير حقّه وبيّن له أصوله، وليحذر المستأجرون الذين يأكلون أموال الأجراء إلى أموالهم ظلما وزوراً.

? على الأجير الإتقان والتفاني في أداء العمل إبراءً للذمّة، وتطييباً للكسب. ولا يدخل للمحل إلاّ الكسب الحلال.

? أحرص أيّها المستأجر على أداء زكاة أجيرك، أو ادفعها له، لتوضع في مستحقّيها.

? الأجير مسؤوليّة وأمانة في ذمّة مستأجره "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ".

? أخي الأجير، أخي المستأجر إيّاكما ونقض العهود، لا تتولوا على أعقابكم ولا ترجعوا على أقوالكم واعلموا أنّ الله شاهد وكفى به حسيبا "فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا" (رواه البخاري).

? التعاون على الصلاح والتقوى والنصح ومراقبة الله في السرّ والعلن من كِلاَ الطرفين. فالكلُّ معرّض للخطإ والنسيان.

? الرحمة بأولاد الناس والشفقة عليهم "وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرّيّة ضعافا خافوا عليهم". تذكَّر أخي المستأجر أنّ للأجراء حقوقا مثلك في الأكل والشرب والراحة. جالسهم وحاورهم وانصحهم، ووفّر لهم الجوّ المساعد على الكسب الحلال. تذكَّر وصيّة الرسول الكريم: "إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ" (رواه البخاري). أترضى أن تسمع أنّات الضعيف المغلوب، أم هل ترضى لنفسك حسرات ولعنات قد تلحقك إلى قبرك جراء ما ضيّعك من حقوق الأجراء، "واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله".

? الإسهام في بناء وطن الأم، والمشاركة في الأوقاف والمشاريع، الأجير يتقدي والمستأجر ينصح ويشجّع؛ ولنعتقد أنّ ذلك هو أفضل ذخر وأكبر كسب واستثمار.

قواعد مضيئة على درب الديون

1. آية الدين من سورة البقرة؛ آيَةٌ عُظْمَى فِي أَحْكَامِ المعاملات, مُبَيِّنَةٌ جُمَلاً مِن الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ, هِيَ أَصْلٌ فِي مَسَائِلِ الْبُيُوعِ, وَكَثِيرٍ مِنْ الْفُرُوعِ في التعامل، اجتهد أخي المسلم أن تحفظها وتطبّق تعاليمها. وإليك بعضًا منها:

2. حَقِيقَةُ الدَّيْنِ: هُوَ كُلِّ مُعَامَلَةٍ كَانَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِيهَا نَقْدًا وَالْآخَرُ فِي الذِّمَّةِ نَسِيئَةً, فَإِنَّ الْعَيْنَ مَا كَانَ حَاضِرًا, وَالدَّيْن مَا كَانَ غَائِبًا. وَالْمُدَايَنَةُ مُشاركة بين اثنين; أَحَدُهُمَا يَرْضَى الدين وَالْآخَرُ يَلْتَزِمُهُ.

3. احرص على كتابة الدين، فالله تعالى يأمرنا بذلك "فَاكْتُبُوهُ". لِتستمسِكَ بِها عِنْدَ حلول الأَجَلِ; فالإنسان عُرضةٌ لِلْغَفْلَةِ، خاصّة فِي الْمُدَّةِ الَّتِي بَيْنَ الْمُعَامَلَةِ وَبَيْنَ حُلُولِ الْأَجَلِ؛ وَالشَّيْطَانُ بالمرصاد رُبَّمَا حَمَلَ عَلَى الْإِنْكَارِ؛ وَالْعَوَارِضُ مِنْ مَوْتٍ وَغَيْرِهِ تَطْرَأُ; من هنا شُرِعَ الْكِتَابُ وَالْإِشْهَادُ.

4. كُن واضحَ العبارة دقيقَ الإشارة، عند كتابة الدين. أَكْتُبُهُ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ الْمُبَيَّنَةِ لَهُ الْمُعْرِبَةِ عَنْهُ، الْمُعَرِّفَةِِ لِلْحَكِمِ بِمَا يَحْكُمُ عِنْدَ الاختلاف، وتجنّب الغموض والتعقيد.

5. في حال العجز عن تحقيق ما سبق من الدقة والوضوح، ليتخذِ الدائن والمدين كاتبا عدلاً يكتب بَيْنهُما "وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ". حَتَّى لَا يَشذَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ الْحقّ؛ ولنفي كلِّ شكّ وريبة شَرَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ كَاتِبًا يَكْتُبُ بِالْعَدْلِ , لَا يَكُونُ فِي قَلْبِهِ وَلَا فِي قَلَمِهِ هَوَادَةٌ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.

6. أيّها الكاتب! إليك يتوجّه الندب بالكتابة "وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ". فاتَّق الله، والتزم بالإرْشَادٍ; واحذر أن تميل باطلاً وزوراً إلى أحد الطرفين. واستحضر دوماً قوله تعالى "كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ".

7. الأصل في إملاء عبارات الدين أن تصدر من (المَدِينِ) الذي استلف أو تحمّل الدين "وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ". وإنَّمَا يُمْلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ لِأَنَّهُ الْمُقِرُّ بِهِ الْمُلْتَزِمُ لَهُ. فَلَوْ قَالَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ (الدائن): لِي "حقّ كذا" لَمْ يَنْفَعْ حَتَّى يُقِرَّ لَهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ, فَلِأَجْلِ ذَلِكَ كَانَ البدء بِهِ.

8. احذر أخي الْمَدين أن تُنكر شيئا من حقِّ أخيك المسلم عليك، أو تُنقِص منه نصيبا مهما قلَّ، أو تتلاعب بالإملاء وتزيّف الحقيقة، أو تُبطن خديعة أو مكراً؛ وتذكّر باستمرار قول الباري الذي لا تخفى عنه خافية "وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا".

9. إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ أَرْبَعَةَ أَصْنَافٍ: مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ يُمِلُّ, وَثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ لَا يُمِلُّونَ بأنفسهم "فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ". فالسفيه: المتناهي في ضعف العقل كالمجنون والمحجور عليه؛ والضعيف: الذي تَغيب عنه مصلحتُه كالصبيِّ، ومن الصنف الأخير الأخرسُ والغبيُّ الذي لا يحسن العبارة.

10. "فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ" يتولى رعايةَ المصلحة وأداءَ الحقوق والواجبات نيابةً وَلِيُّ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ الْمَمْنُوعُ مِنْ الْإِمْلَاءِ بِالسَّفَهِ وَالضَّعْفِ وَالْعَجْزِ.

11. يُندب الإشهاد عند التداين "وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُم". وقد اقتضت حكمته جلَّ وعلا أن يُرَتِّبَ على الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ وَالْحُدُودِ شهادات.

12. المجتمع عونٌ لبعضه البعض، فيه تُتَحَمُّلُ حُقُوقِ النَّاسِ حِفْظًا, وَتُبلَّغ أَدَاءً. "وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إذَا مَا دُعُوا". ففي امتناع النَّاسِ كُلِّهِمْ عَن تحمّل الشهادة وأدائها، إضَاعَةٌ لِلْحُقُوقِ, وَفي إِجَابَة بعضهم إلَيْهَا تَحَمُّلٌ لها حِفْظًا وأَدَاءً.

13. الأمْرَ بِالْكِتَابَةِ وَالْإِشْهَادِ وَالرَّهْنِ الْمَذْكُور فِي آيَةِ الدَّين نَدْبٌ وَإِرْشَادٌ إلَى مَا لَنَا فِيهِ الْحَظُّ وَالصَّلَاحُ وَالِاحْتِيَاطُ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا، فاتبع أخي المسلم هدي ربّك فيما ندبك إليك فذاك نور لك في الدنيا ذخر لك في السماء.

14. الأخذ بالهدي القرآنيّ أولى بك، حتى وإن كان من باب الندب "وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إلَى أَجَلِهِ" وهَذَا تَأْكِيدٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْإِشْهَادِ بِالدَّيْنِ, تَنْبِيهًا لِمَنْ كَسلَ، وَالْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.

15. الله تعالى عالم بالسرّ والعلن، خبير بما شرّع، مطّلع على ما تضمره النفوس، عليم بما تخفيه الأيام. والعدل والقسط في الكتابة والإشهاد "ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ".

16. لا شيء يضبط الشهادة مثل الكتابة، فهي "أَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ" وأَدْعَى إلَى ثُبُوتِهَا، فلا تعجز عنها، ولا تسوّف أو تتراخى.

17. "وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا" إذا نسِيَ الشَّاهِدُ أَو قَالَ خِلَافَ مَا عِنْدَ الْمُتَدَايِنَيْنِ. الكتابة ترتفع الالتباس وتزيل الشكَّ.

الرزق.. قواعد وحقائق

1. الله وحده هو الخالق، المتصرّف في ملكه كيف يشاء.

2. الله هو الغني، مالك الخزائن كلّها، ونحن الفقراء إلى الله، المحتاجون إليه، الملتجئون إليه.

3. الله هو الرازق ذو القوّة المتين.

4. المال مال الله، أنت مستخلف فيه، لا تملك منه إلاّ ما اشتريت به الجنة، فاتق الله في الأمانة، وارع للخلافة حقّها، وأطع الله فيما أمرك.

5. لن تموت نفس حتّى تستكمل رزقها.

6. ليس لمخلوق أن يزيد من رزقه، ولا أن يُنقص منه.

7. لا تخفى على الله صغيرة ولا كبيرة.

8. لا ضرر ولا ضرار في الإسلام.

9. القليل من أموال الناس يورث النار.

10. قبل أن تتقدّم إلى معاملة يجب أن تعرف حكمها الشرعيّ.

11. إذا جهلت حكم معاملة ما، لا تخاطر بدينك، بل اسأل أهل العلم أوّلاً.

12. إذا عرفت حكما شرعيّا بادر إلى تطبيقه.

13. إذا صحّحت خطأً ما عندك، فأبلغه إخوانك وأرشدهم طريق الحقّ والصواب، والدّالّ على الخير كفاعله.

14. الزبائن إخوانك، والأخ لا يخدع أخاه.

15. أحبَّ لأخيك ما تحبّه لنفسك.

16. إذا لم تستطع مساعدة الزبون لا تؤذه.

17. الزبون محتاج إلى النصح فلا تبخله.

18. البائع والزبون يتناصحان ويذكِّر كلٌّ منهما الآخر.

19. الخيانة والخداع منك، سبب في رفع الثقة من الجميع.

20. متجرك تشترى به الجنة، احذر أن يكون فيه الغناء والصور الخليعة.

21. كلّ ربح من الحرام هو خسارة؛ والطريق إلى الحرام طريق إلى جهنّم منتهاه.

22. عليك أن تُوَفِّي الكيل والميزان حتّى يوفّيَ الله لك الأجر.

23. لا تبع آخرتك بدنياك، ولا بدنيا غيرك، ولا تشتر بمالك جهنّم.

24. حصّن مالك بالزكاة والصدقة.

25. ما نقص مال من صدقة.

26. أنت صاحب رسالة سماويّة، فكن داعية وهاديا بتصرّفاتك وأقوالك.

27. دعوتُك إلى الحرص والصدق والأمانة.. تكون بالقدوة والمبادرة قبل أن تكون بالكلام والخطب..

28. احرص على حلقة الذكر في منزلك وفي مقر عملك، وداوم على اتخاذ البديل.

29. اعلم أخي أنَّ أبناء الناس من الأجراء أمانةٌ في عنقك ستسأل عن ديانتهم: راقبهم في صلاتهم- في أمانتهم- في حديثهم.

30. اتق الله في الشركاء، واحذر الخيانة أو حتى مجرَّد التفكير فيها.

31. كلُّ تزييف أو تحريف أو تلاعب خفِيَ على الشريك أو العبد، لا يغيب عن الله الذي لا تخفى عليه خافية.

?

? ?

عيد مبارك سعيد

تقبّل الله منّا ومنكم

? ?

?