مساهمات فكرية

مناهج تفسير القرآن – التفسير الإصلاحيّ أنموذجًا
العنوان مناهج تفسير القرآن – التفسير الإصلاحيّ أنموذجًا
الكاتب د. الشيهاني حمو
المجال علوم القرآن الكريم
التاريخ11-05-2009
عودة إلى القائمة

مناهج تفسير القرآن – التفسير الإصلاحيّ أنموذجًا-(1)

عناصر الدرس

1- تحديد مفاهيم:

            أ - تعريف علم التفسير

           ب- تعريف التدبّر

           ج- العلاقة بين التدبر وعلم التفسير

2- فضل علم التفسير

3- المسيرة التاريخية لعلم التفسير وأشهر مناهجه

4- وقفة مع التفسير الإصلاحيّ

5- سبل تفعيل المنهج الإصلاحيّ فِي الخطاب الدعويّ

 

مقدمة: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة وال سلام على رسوله الكريم، أول عبدٍ فسّر القرآن بخلقه القويم وبيانه الحكيم، (نعمة إنزال القرآن الكريم وحاجة الناس إليه)

1- تحديد مفاهيم

أ- التفسير «التفسير علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيثُ دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية»(2)

ب - التدبّر

«التدبّر عند أهل اللغة هو التفكر، ولكن مادة الكلمة تدور حول أواخر الأمور وعواقبها وأدبارها، فالتدبّر هو النظر فِي عواقب الأمور وما تؤول إليه، ومن هذا نستطيع أن نفهم أن التدبّر هو التفكر الشامل الواصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه البعيدة»(3)

يقول الشيخ عبد الرحمن حسن حبنّكة الميدانيّ «وخلال ممارستي الطويلة للتدبّر فِي القرآن العظيم، ومطالعتي لتفاسير المفسّرين على اختلاف مناهجهم، تكشّفت لي جملةُ قواعدَ هاديةٍ لمن أراد أن يتدبّر كلام الله بصورة فُضلى، فأنا أكتبها لمن شاء أن ينتفع بها، فقد وجدت بالممارسة أنها ذات نفع عظيم للمتدبّر وتصلح منهجًا يحتذيه المتدبّرون للقرآن»(4)

يفهم من هذا الكلام أن صاحبه يطلق مصطلح "التدبّر" ويريد به علم التفسير.

يرى الشيخ أحمد الخليلي أن التدبّر يعني استحضار التالي أو المستمع للقرآن الكريم أنه كلام الخالق العظيم وأنه كلَّه حقّ مطلَق لا ريب فيه، فباستحضار هذه المعاني يعظَّم كلام الله فِي القلب فيدفع صاحبه لفهمه قصْدَ العمل به، وهذا واجب المسلمين جميعًا.

أما التفسير فيتطلب شروطاً منها العلم بفنون اللغة العربية والإلمام بأصول التشريع ومقاصده العامة، وهو خاصٌّ بأهل العلم. (اللقاء الذي نظمته مؤسسة الشيخ عمي سعيد بمسجد بابا السعد الشرقي)

 

 ج- العلاقة بين التدبّر و علم التفسير

تدبّر كتاب الله عز وجلّ عملية تتعلق بالتفكر فِي آياته من حيث مصدريتُها وصدقُها وشدّةُ حاجة الناس إليها... فتثمر تزكيةَ النفس، حيث تدفع صاحبَها إلى سؤال أهل العلم عن مراد الله من كلامه.

ومن الخطأ أن يتجاوز المسلم هذا المجال فيدخل فِي مجال التفسير بغير زاد، فيقع فِي محذور القول فِي كتاب الله بغير علم، فقد روي عن أبي بكر الصديق قوله: «أيُّ أرض تُقلّني وأيّ سماء تظلني إذا قلت فِي كتاب الله برأيي؟». [ضبط وتوثيق]  

 

2- فضل علم التفسير:

التفسير من أجلّ علوم الشريعة وأرفعها قدرًا، وهو أشرف العلوم موضوعًا وغرضًا وحاجةً إليه، «وصناعة التفسير قد حازت الشرف من الجهات الثلاث:

- فأما من جهة موضوعه فلأن موضوعه كلام الله تعالى الذي هو ينبوع كلّ حكمة ومعدن كلّ فضيلة...

- وأما من جهة غرضه فلأن الغرض منه هو الاعتصام بالعروة الوثقى والوصول إلى السعادة الحقيقة التي لا تفنى.

- وأما من جهة شدّة الحاجة إليه فلأن كلّ كمال دينيّ أو دنيويّ عاجلٍ وآجل مفتقرٌ إلى العلوم الشرعية والمعارف الدينية، وهي متوقفةٌ على العلم بكتاب الله تعالى»(5)

 

3- المسيرة التاريخية لعلم التفسير وأشهر مناهجه

مرّت حركة التفسير فِي مسيرتها التاريخية - منذ الصحابة رضوان الله عليهم وحتى العصر الحاضر- بأربع مراحل بارزة، هي(6):

أ-  التفسير فِي طور التأسيس. [ق1- نهاية القرن 3]

ب- التفسير فِي طور التأصيل. [نهاية القرن 3]

ج- التفسير فِي طور التفريع. [ق 4- ق 14]

د-  التفسير فِي طور التجديد (المنهج الإصلاحيّ)

 

أ-  التفسير فِي طور التأسيس.

بدأت هذه المرحلة التأسيسية على عهد رسول الله r حيث كان أوّل من فسّر القرآن، فرغم أنه لم يفسّر القرآن كاملاً لكنه فسّر ما احتاج الصحابة إلى تفسيره وما سألوه عنه.

- أشهر المفسرين الصحابة عشرة، وأشهر المفسرين العشرة عبد الله بن مسعود (الكوفة)  وعبد الله بن عباس (مكة)  وأبيّ بن كعب (المدينة).

- المفسرون من أعلام التابعين هم تلاميذ المدارس الثلاثة.

- جاء جيل أتباع التابعين ودوّن بعضهم تفاسير مستقلّة للقرآن الكريم، وبرز فِي هذه المرحلة اتجاهان أساسيان فِي علم التفسير:

1- الاتجاه الأثريّ الذي يعنى برواية الأقوال مسندةً إلى أصحابها، ويمثل هذا الاتجاهَ تفسيرُ مجاهد والحسن البصريّ، والسدّيّ الكبير وسفيان الثوريّ...  

2– الاتجاه اللغويّ البيانيّ الذي يعنى بمعاني الكلمة واشتقاقاتها مستدلّين على ذلك بأقوال العرب وأشعار العرب، يمثّل هذا الاتجاه مجاز القرآن لأبي عبيدة مَعمَر بن المثنّى، معاني القرآن للفرّاء، معاني القرآن للأخفش.

ب- التفسير فِي طور التأصيل.

كانت مرحلة التأصيل فِي نهاية القرن الثالث، وأرسى أسسَ علمِ التفسير وقواعدَه فِي هذه المرحلة إمامُ المفسرين أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ (-310هـ) حيث جمع الاتجاهين الأساسيين: التفسيرَ الأثريّ والتفسيرَ اللغويّ وأضاف لهما استنباطاته وترجيحاته، هذه الأسس الثلاثة (اللغة- الأثر- الاستنباط) هي التي أصّل بها الإمام  الطبريّ دعائم منهجه الأصيل (المنهج الجامع فِي التفسير) 

ج- التفسير فِي طور التفريع.

انتقل المفسرون بعد الطبريّ بالتفسير من (التأصيل المنهجيّ) إلى (التفريع التثقيفيّ) وتحوّلوا على حسب تخصصاتهم والعلوم التي مهروا فيها من (المنهج الجامع) إلى (المنهج الغالب) حيث صاروا يتوسعون ويستطردون فِي تفاسيرهم على حسب ميولهم وتخصصاتهم، منها: الفقه، كتفسير الجامع لأحكام القرآن لكلّ من القرطبي والجصّاص، والعلوم العقلية كالفخر الرازي فِي "مفاتح الغيب".

د-  التفسير فِي طور التجديد (المنهج الإصلاحيّ)

بقي المفسرون من القرنِ الرابعَ عشرَ يفرّعون وينوّعون فِي تفاسيرهم، كلٌّ حسب الاتجاه الذي مهر فيه والعلمِ الذي غلب عليه حتى جاء العصر الحديث حيث دخل التفسير مرحلة التجديد على يد الشيخ محمد عبده الذي أرسى معالم مدرسة خاصة فِي التفسير وفهم القرآن...

- أسباب اختلاف مناهج التفسير

إن أسباب اختلاف مناهج التفسير تعود للقواعد والأهداف، وهي أسباب جوهرية، «والحال أن القرآن الكريم كتاب الله إلى خلقه لا إلى نفر من الناس، ومعناه أن ما يتضمنه ليس من اليسير فهمه باستخدام منهج واحدٍ، لأن المنهج فِي الواقع هو تحديد للأدوات التي تستخدم، وتحديد لنظام استعمالها بحسب ما يرمي إليه المفسر، ولما كانت القواعد والأدوات التي يستخدمها المفسر خاضعةً لإمكاناته وتخصّصه فمعنى ذلك أن زاويةَ النظر إلى النصّ القرآنيّ سوف تتحدّد تبعًا لذلك، ولذا تتعدّد، وهكذا تبقى بقية الزوايا غامضةً حتى يقيّض الله لها صاحبَ إمكانات أخرى تختلف عن إمكانات الأوّل فيوظفها ليكشف بعض ما كان غامضًا، وهكذا دواليك»(7).   

- أشهر مناهج التفسير (اتجاهات التفسير)

من خلال استعراض المسيرة التاريخية لحركة تفسير القرآن الكريم يمكن أن نستخلص جملة من المناهج والاتجاهات المشهورة.

أ- التفسير بالمأثور

«التفسير الذي يعتمد على صحيح المنقول والآثار الواردة فِي الآية فيذكرها، ولا يجتهد فِي بيان معنًى من غير دليل، ويتوقف عما لا طائل تحتَه، ولا فائدة فِي معرفته ما لم يرد فيه نقلٌ صحيحٌ» (الرومي:71)

 وهذه النقول مصدرها: تفسير القرآن بالقرآن، و تفسير القرآن بالسنة، و اختلفوا في حجية تفسير الصحابيّ والتابعيّ.

ب – التفسير بالرأي

التفسير بالرأي عبارة عن تفسير القرآن بالاجتهاد، وقد يبذل المفسر جهده وتتوافر فيه شروط المفسّر فيُحمد تفسيرُه، وقد لا تتوافر فيه شروط المفسر فيُذَمّ تفسيرُه.

ج- الاتجاه العلميّ

يقوم أصحاب هذا الاتجاه على تفسير الآيات تفسيرًا علميًّا، وفق قواعد العلم الحديث، ويبيّنون المضامين العلمية للآيات، وقد تعمّق هذا الاتجاه فِي هذا العصر بسبب التقدّم العلميّ، ومن أشهر التفاسير التي تمثله "الجواهر فِي تفسير القرآن" للشيخ طنطاوي جوهري.

د- الاتجاه الاجتماعيّ (الإصلاحيّ)

يُعنى الاتجاه الاجتماعي فِي التفسير بالتركيز على إصلاح المجتمع على أساس القرآن، ومعالجة أمراض المجتمع ومشكلاته المختلفة، وتقديم السنن الاجتماعية الكفيلة برقيّ المجتمعات وتقدّمها، من التفاسير الممثلة لهذا الاتجاه "تفسير المنار" لمحمد رشيد رضا، "فِي ظلال القرآن" لسيد قطب، "في رحاب القرآن" للشيخ بيوض.

4- مزايا التفسير الإصلاحيّ (الاتجاه الاجتماعيّ الحركيّ)

أ- الغرض الهدائيّ

بما أن القرآن الكريم كتاب هداية، ودستور حياة البشر ونظام مجتمعهم، يرسم لهم طرائق الحياة السعيدة فِي هذه الحياة الدنيا، وطرائق الفوز والنجاة فِي الأخرى، فقد استثمر أصحاب التفسير الاجتماعيّ (المنهج الإصلاحيّ) هذه الخاصية فقصدوا من تفسيرهم إِلَى التحرّك بالقرآن من تزكية النفوس وتثقيف العقول والنهضة بالمجتمع، انطلاقًا من كون القرآن الكريم منهج حياة كامل، وبالتالي فالغاية منه التحرّك لا التبرّك فحسب،  فلم يكن تركيزهم عَلَى تبيين الفروق اللغوية والمذهبية بل عمدوا إِلَى إسقاط النصوص عَلَى الواقع المعيش، وعرض أزمات العصر عَلَى كتاب الله ليهتدوا بنوره إِلَى استنباط الحلول المناسبة، فكانوا كثيرًا ما يستطردون فِي مواضيع متنوعة تتعلّق بأحداث مجتمعهم وعصرهم التي يريدون الحديثَ عنها.

يقول محمد رشيد رضا إنه كان يهدف من تفسير القرآن الكريم إلى تلبية «حاجة الناس التي صارت شديدةً إلى تفسيرٍ تتوجّه العناية الأولى فيه إلى هداية القرآن على الوجه الذي يتفق مع الآيات الكريمة المنزلة فِي وصفه، وما أنزل لأجله، من الإنذار والتبشير والهداية والإصلاح»(8) 

ب- إسقاط معنى الآية على الواقع

يغتنم المفسر فِي المنهج الإصلاحي كلّ فرصة لتنزيل معنى الآية على واقعه المعيش قصدَ إصلاحه، قال الشيخ بيوض بمناسبة تفسير قوله تعالى: ﴿ لِلَّهِ الاَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنم بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُومِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَّشَآءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الروم:04-05)  حقًّا إِنَّ الله ﴿ينصر من يشاء﴾ «وهذا كله بمشيئة الله، وقد نصر علينا اليهود وهم أخبث خلق الله، وهو الذي يعلم لماذا نصرهم، وعلينا أن نتساءل ونتدبّر الحكمة، ولكننا لا نستطيع أن نردّ الأمر إِلاَّ إِلى تقصيرنا فِي الجانب الدينيّ والجانب الدنيويّ...فعلينا أن نجمع بينهما معًا فنُعدّ ما استطعنا من القوّة، حتّى القوّة النووية مع الاعتماد علَى الله أوّلاً وأخيرًا»(9)

 وقال في موضع آخر عن علاقة الاعتقاد بالسلوك: «وأكثر المؤمنين بل المسلمين الذين يقولون:"لا إله إِلاَّ الله محمد رسول الله" يؤتَون من ضعف إيمانهم بالآخرة، إذ لم يرسخ الإيمان فِي قلوبهم ولم يبلغ درجة اليقين»(10) فبانعدام هذا الإيمان ينفلت عِقد الدين وينحلّ كلّ شيءٍ «ويسود التكالب بين الناس علَى جيف الدنيا وزهراتها»(11)

ج- التفسير الموضوعي (تفسير القرآن بالقرآن)

بما أن المنهج الإصلاحيّ فِي التفسير يهدف إلى علاج القضايا التعبدية والحياتية فقد اهتدى رجاله إلى منهج التفسير الموضوعيّ، حيث يجمع المفسّر الآياتِ فِي الموضوع المدروس ويرتّبها قصد اكتمال الصورة عنده ليهتدي بذلك إِلَى استنتاجات مؤصَّلة، وصرّح الشيخ بيوض بهذا المنهج قائلاً: «ومن تأويلات القرآن وتفسيراته ما كان يؤخذ بتقابل الآيات فِي موضوع واحدٍ، فتظهر المعاني وتظهر الحكم والأسرار...وما فسّر القرآنَ مثلُ القرآن»(12)  وأكّد أن الفهم الصحيح للموضوع لا يتوصّل إليه إلا بهذا المنهج، إذ يقول: «وعلى من أراد أن يفهم موضوعًا من المواضيع أن يجمع كلَّ الآيات الواردة فِي نفس الموضوع حتى تجتمع له عناصر الفهم»(13).  

والسعي لاستكمال الصورة للقضية المراد تحليلُها مطلبٌ منهجيّ، ذَلِكَ لأَنَّ أجزاءها قد تكون متفرقةً فِي بعض سور القرآن: «وإذا جُمع البعضُ إِلَى البعض تكتمل الصورة الحقيقية»(14) وقد مثّل الشيخ بيوض لذلك بالعِجل الذي قدمه سيدنا إبراهيم عليه السلام لضَيفه حيث وصفته سورة الذاريات أنه عجلٌ سمين ]فجاء بعجل سمين[(الذاريات: 22)  ودلّت سورة هود عَلَى طريقة طبخه (فما لبث أن جاء بعجل حنيذ)(هود: 69)(15) 

قال الشيخ بيوض:«فلا نطلب تفسيرًا للكلمات فِي غير القرآن، وهكذا مواضيع القرآن لا يُكتفَى فيها بآيةٍ واحدةٍ ترِد فِي سورة معيّنةٍ، وإنما لا بدّ من جمع كلّ ما ورد فِي القرآن حتى يُبيّن بعضُه بعضًا، ويفسر بعضُه بعضًا»(16) 

فقد كان الشيخ بيوض يدعو إِلَى الجمع بين الآيات والمقارنة بينها قصد تجلية المعنى واكتمال الصورة الواضحة للموضوع المعالَج،(17) ويحذّر من مغبّة الاقتصار فِي الاستدلال عَلَى آية واحدة والتغاضي عن غيرها، «ومن تجاهل هَذَا وقع فِي الخطأ»(18) 

وإذا كان تجاهل الجمع بين الآيات خطأً يفضي إِلَى النظرة التجزيئية إِلَى القضايا فإن الجهل بطريقة الجمع بين الآيات خطأ كذلك، لأنه يفضي إِلَى القول بتناقض القرآن، ولكن التناقض فِي العقل القاصر الذي لم يُحمَل عَلَى التعمّق فِي معنى الآيات وتدبّرها، ]اَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا[(النساء:82) 

وقد دأب الشيخ بيوض عَلَى الجمع بين الآيات المتناقضة فِي الظاهر، ومن ذَلِكَ قوله فِي قضية إثبات تساؤل العباد ونفيه يوم القيامة، حيث يقول: «وأريد أن أبيّن من جهة أخرى أنه لا تناقض بين قوله فِي سورة "المؤمنون" :]فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلآَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ[ (المؤمنون: 101) وقوله هنا:]وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىا بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ[(الصافات: 27) تُرى لماذا نفى التساؤل فِي آية وأثبته فِي آية؟!»(19) «ليس هَذَا تناقضًا بين الآيات والسوَر المختلفة، وإنما هي مقامات متعددة ومراصد متنوعة تقع فِي يوم القيامة»(20)  

هـ - الاستفادة من المعارف والعلوم والثقافات المعاصرة

يُعنى المنهجُ الإصلاحيُّ فِي التفسير إلى تقريب المعاني القرآنية إلى الأذهان بتوظيف فنون المعرفة في شتى التخصصات الإنسانية والعلمية، شرطَ أن تبقى وسائل توضيحية لا أغراضًا لذاتها، لأن هذا ممّا يُبعد عن المقصد الأسمى وهو الغرض الهدائي، فإن هذا المحذور يصدق عليه قول الحكيم:

"وِ ضبعن القُرانْ يبّي تعرابتَسْ أنْ واضّبعنْ أينيوْ نَ. يَشْ أتْمارتسْ"

 

5- سبل تفعيل المنهج الإصلاحيّ فِي الخطاب الدعويّ

- التجرّد لله وإخلاص الدعوة إليه على بصيرة

- التعامل مع القرآن الكريم من غير مقرّرات سابقة

القرآن الكريم هو المصدر الأساس للدين الإسلاميّ،  فهو ينبوع الهداية والميزان الصحيح والفرقان الحقّ بين الرشد والغواية، شرط أن نلجأ إليه دون تطويع نصوصه وفقَ آرائنا الموروثة، قال محمد عبده « إذا وزنّا ما فِي أدمغتنا من الاعتقاد بكتاب الله من غير أن نُدخِلها أولاً فيه، يظهر لنا كونُنا مهتدين أو ضالّين، وأمّا إذا أدخلنا ما فِي أدمغتنا فِي القرآن وحشرناها فيه أوَّلاً، فلا يمكننا أن نعرف الهداية من الضلال، لاِختلاط الموزون بالميزان فلا يدرى ما هو الموزون به... أريد أن يكون القرآن أصلاً تُحمل عليه المذاهب والآراء فِي الدين، لا أن تكون المذاهب أصلاً والقرآن هو الذي يُحمَل عليها، ويُرجع بالتأويل أو التحريف إليها كما جرى عليه المخذولون، وتاه فيه الضالّون»(21)  

- الدعوة إلى التفكر فِي الآيات الكونية وتدبّر الآيات القرآنية

 التأمّل فِي الآيات يكسب عظمة الله فِي القلب "فإذا عُرف الآمر سهل تطبيق الأوامر"

 

- توظيف القصص القرآني

ليس القصص القرآني حديثًا يفترى، ولم يرد تزجية للوقت بل يراد منها الاعتبار والادّكار، « لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الاَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىا وَلَكِن تَصْدِيقَ الذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُومِنُونَ» (يوسف:111) وقال تعالى- محذّرًا- بعد أن بيّن هلاك الكفار الذين كذّبوا رسلهم  «اَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنُ اوْلَئِكُمُ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي الزُّبُرِ؟» (القمر:43)  

- التعامل الإيجابي مع التراث الإسلاميّ (القرآن حَكَم، التراث بين التقديس والإلغاء- تراكمية المعرفة).

يقول محمد عبده ناقدًا تفسير القرآن من خلال تقديس التراث «التفسير عند قومنا اليوم ومِن قبلِ اليوم بقُرونٍ هو عبارة عن الاطلاع على ما قاله بعض العلماء في كتب التفسير على ما في كلامهم من اختلاف يتنزّه عنه القرآن، "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا" (النساء:82)» (22)

- يرى محمد عبده أنَّ مغالاة التفاسير فِي التفريعات الفقهية أو التطبيقات النحوية والصرفية «قد أخرجها عن مقاصدها وأهدافها الداعية إلى الرشد والهداية وتوضيح سبيل المؤمنين على نحوٍ سهلٍ ميسّرٍ»(23) فالشيخ لم يُلغ هذه الجوانب تمامًا إنما تناولها «بالقدر الذي يخدم تفسير المعنى، ويكسبه/ إضاءةً ووضوحًا ضمن الحدود المحتملة للمعنى، دون تحمل وإطالة فِي هذا الجانب»(24) 

-«إن الله تعالى لا يسألنا يوم القيامة عن أقوال الناس، وما فهموه إنما يسألنا عن كتابه الذي أنزله لإرشادنا وهدايتنا وعن سنّة نبيّنا الذي بيّن لنا ما أنزل إلينا... يسألنا: هل بَلغتكُم الرسالة؟ هل تدبّرتم ما بُلغتم؟ هل عقلتم ما عنه نُهيتم وما به أُمرتُم؟»(25).

عرض السنة وأقوال العلماء على القرآن الكريم

القرآن الكريم هو الحَكَم، تعرض عليها كلُّ ما سواه من النصوص، فما خالفه مخالفة حقيقيةً حكم عليه بالتأويل أو البطلان، ومن ذلك أحاديث الشفاعة لأهل الكبائر، فمن أصرّ عَلَى كبيرة وأدركه الموت قبل أن يتوب منها يُحرَم من شفاعة المصطفى r استنادًا إِلَى قوله تعالى :]أَفَمَن كَانَ مُومِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا؟ لاَّ يَسْتَوُونَ[(السجدة:18)  فالآية تقطع أماني العصاة المسوّفين فِي التوبة تواكلاً عَلَى شفاعة المصطفى r اعتمادًا عَلَى نصوص لا تقوى أمام الآيات المحكمة من القرآن التي لا تقبل تأويلاً، قال الشيخ بيوض: «ولما كان الله تعالى يعلم هَذَا من عباده المكلَّفين ردّ عليهم هَذَا الردَّ المحكَمَ بالإنكار أوّلاً:] أَفَمَن كَانَ مُومِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا؟[ ثُمَّ بقوله ثانيًا :]لاَ يَسْتَوُونَ[»(26)

- توظيف السيرة النبوية

استحضار أحداث السيرة النبوية لدى دارس القرآن والسنة «يحيط النصَّ بهالةٍ من البيان والكشف، لا يجده فاقد العلم بهذه الوضعية التاريخية»(27) 

قال الله تعالى عن أبينا إبراهيم عليه السلام " قَدْ كَانَتْ لَكُمُ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالذِينَ مَعَهُ" (الممتحنة:04) وقال عن سيدنا محمد r " مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنَ اَثَرِ السُّجُودِ" (الفتح:29)

 - توظيف التجربة التاريخية والاجتماعية

«على العلماء ومن يتشبّه بهم أن يتعلموا وسائل القيام بالواجب ما تدعو إليه الحال، على حسب الأزمان واختلاف أحوال الأمم، وأوّل ما يجب عليهم في ذلك أن يتعلموا التاريخ الصحيح، وعلم تكوين الأمم، وارتفاعها وانحطاطها، وعلم الأخلاق وأحوال النفس وعلم الحسّ والوجدان، ونحو ذلك...»

قال الدكتور مصطفى السباعيّ: «علمتني الحياة أن أستفيد من تجارب الآخرين، لأنه ليس لي متّسع من الوقت حتى أكتفي بتجاربي الخاصة».

وقال حكيم: "أبدّيوْ طَامرْتُ أدْ واسِ اُليلَمَّدْ. ميسَلْ فوبقَّا يتّاغْ فايَدْ سَنْ".

 

- فقه الواقع

على الداعية أن يفقه واقعه الذي هو ميدان نشاطه، فينظر إلى مجتمعه نظرة الطبيب الفاحص يلتمس داءه ويتعرّف على علّته، حتى إذا عرفه نظر فِي القرآن يطلب الدواء والعلاج، فإذا وجده توسّع فِي شرحه وبيانه، وحثّ قومَه على التزامه، ففقه الواقع أسلوبٌ أساسيّ فِي التغيير، وقد كان الشيخ بيوض خبيرًا بواقعه الذي هو ميدان إصلاحه، وكان يرشد طلبتَه إِلَى ضرورة فهم هَذَا الواقع، وقد أغلظ عَلَى أحدهم القول عندما آثر الاشتغال بدروسه عَلَى حضور واقعة تاريخية فِي سوق القرارة، فهدف الشيخ من دروس التفسير وغيرها إصلاحُ أوضاع الأمة وتغييرُ طباع أفرادها، سالكًا لتحقيق ذَلكَ طريقَ إسقاط معاني الآيات القرآنية عَلَى الواقع لتقريب المفاهيم من أذهان المخاطبين عَلَى اختلاف مستوياتهم و مداركهم.

- مسايرة الأحداث المحلية والدولية وحسن توظيفها فِي الدعوة إلى الله تعالى.

- الحكمة فِي التبليغ ومراعاة أدب الاختلاف (تعدّد الاختصاصات- العمل الجماعيّ).

الخلاصة:

- التفسير أشرف العلوم قدرًا، لكن تعاطيه من غير استيفاء شروطه يؤدّي إلى محاذير.

- تدبّر القرآن الكريم واجب على جميع المسلمين، وهو غير التفسير، بل هو يقتضي سؤال أهل العلم عن مراد الله تعالى من كلامه.

- تعدّد المناهج في التفسير أمرٌ مشروع إذا التزمت بضوابط اللغة ومقاصد القرآن وآياته المحكمات.

- الاتجاه الإصلاحي يستثمر أغلب المناهج ويوظفها لخدمه الغرض الهدائي في التفسير.

 

-----------------------------------------------------------------

(1) - درس مبرمج بمسجد التقوى يوم: الإثنين26 ربيع الأول1430هـ/23مارس2009م. ضمن الأيام الترشيدية حول: "مصادر التشريع الإسلامي"

(2) - الزركشي: البرهان فِي علوم القرآن، 1/13. [تحقق]

(3)  - عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني: قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله عزّ وجلّ، 10.

(4)  - عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني: قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله عزّ وجلّ، 12.

(5)  - السيوطيّ: الإتقان في علوم القرآن، 4/173.

(6)  - صلاح عبد الفتاح الخالدي: تعريف الدارسين بمناهج المفسرين،35-47.

(7)  -  أحمد رحماني: التفسير الموضوعيّ نظرية وتطبيقًا،24.

(8)  -  محمد رشيد رضا: تفسير المنار، 1/10.

(9)  - في رحاب القرآن، سورة الروم: 10/25.

(10) - في رحاب القرآن، سورة النمل:8/15.

(11) - في رحاب القرآن، سورة الفرقان:7/63.

(21) – في رحاب القرآن، سورة لقمان: 11/182.

(13) – في رحاب القرآن، سورة القصص:8/344.

(14) – في رحاب القرآن، سورة الصافات: 14/365.

(15) – في رحاب القرآن، سورة العنكبوت: 9/141.

(16) – في رحاب القرآن، سورة صَ: 15/225.

(17) – في رحاب القرآن، سورة العنكبوت: 9/141؛ النور:6/315.

(18) – في رحاب القرآن، سورة يس: 14/39.

(19) – في رحاب القرآن، سورة الصافات: 14/346.

(20) – في رحاب القرآن، سورة فصلت: 16/564.

(21) - محمد عبده: تفسير سورة الفاتحة، 54، نقلا عن التفسير والمفسرون فِي العصر الحديث، 307.

(22) - محمد عبده: تفسير المنار، 1/15. [تحقق]

(23) - محمد عبده: تفسير المنار، 1/ 17-18.

(24)  - عبد القادر محمد صالح: التفسير والمفسرون فِي العصر الحديث، 306-307.

(25) - محمد عبده: تفسير المنار، 1/27. [تحقق]

(26) -  في رحاب القرآن، سورة السجدة: 12/106.

(27) - الزنيدي: مناهج: 431.

 

2012-11-16

بلاببببببchawki12@ymail.com

مشكووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووور

 

2009-06-24

الياسilyas.47@live.fr

أشكركم على هدا الدرس القيم والفريد من نوعه أرجو أن تواصلوا مسيرة نشر العلم والدين والثقافة ونشر الأخلا ق تقول الحكمة الأخلاق قبل الثقافة ومصلحة الجميع قبل مصلحة الفرد وشكرا

 
الاسم
البريد الالكتروني
الرد
حروف الشيفرة
اضافة رد