مساهمات فكرية

الشيخ محمد بن يوسف أطفيش(القطب)
العنوان الشيخ محمد بن يوسف أطفيش(القطب)
الكاتب قسم الإعلام بالموقع
المجال رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه
التاريخ20-01-2012
عودة إلى القائمة

 

مسجد التقوى - غرداية -

سلسلة شخصيات و ضعوا بصماتهم

 

الشيخ محمد بن يوسف أطفيش(القطب)

   1- مقــدمة:

إن الأمة الإسلامية، لا تزال تبحث عن تاريخ أعلامها العظام الذين يمثلون المقاومة العنيدة ضد التيارات التحريفية الدخيلة في تاريخنا الإسلامي، قديما وحديثا، لذا رأيت من الواجب الديني والأخلاقي والوطني أن أبرز حياة أحد أعلام الفكر الإسلامي الأصيل وهو الشيخ محمد بن يوسف أطفيش الذي قال فيه الشيخ ناصر بن محمد المرموري: (إن الشيخ أطفيش رحمه الله من الأفذاذ الذين يقل نظراؤهم عبر التاريخ فهو يجمع إلى سعة العلم، دقة النظر وصدق الحكم، وهبه الله عمرا طويلا في خدمة العلم ورزقه التوفيق وحلاه بالورع والتواضع والاستقامة وقد حدثنا مشائخنا الذين تتلمذوا عليه الشيء الكثير عن استقامته وورعه وقيامه بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجده في خدمة العلم).

2- نسبه وميلاده:

نسبه هو الشيخ امحمد بن يوسف بن عيسى بن صالح بن عبد الرحمن بن عيسى بن اسماعيل اطْفَيَّشْ، المشهور عند الإباضية بلقب قطب الأئمة، ولقّب بذلك لكونه قطبا في المعارف، ومرجعا لعلماء الإباضية

أثبت الباحث ونتن مصطفى أنّ تاريخ ميلاده لا يمكن أن يكون قبل سنة 1238هـ- 1821م؛  و مكان ميلاده فقد كان بغرداية. بشارع حواش.

3- تعلمه ونشأته :

بعد عودة أسرة القطب إلى بني يزقن توفي والده وعمر القطب آنذك أربع سنوات، كما وجد عناية من جانب إخوانه الثلاثة، خاصة منهم موسى الذي تولى مهمة النفقة على العائلة، وإبراهيم الذي تكفل بتدريس القطب بعد عودته من مصر.

أرسلته أمه إلى الكتَّاب، مثل بقية أبناء المنطقة، فحفظ القرآن وهو ابن ثماني سنوات .ورجاء أن يحقق الله أمنية والده في أن يهب الله له ولدا صالحا يحمل لواء الحركة الإصلاحية التي بدأها أبو زكرياء الأفضلي، حفّزت الأم ولدها على الالتحاق بدور العلم التي كان يتولى التدريس فيها تلاميذ عبد العزيز الثميني، لتلقى المبادئ الأساسية في اللغة و علوم الدين ، وحفظ على أيديهم مسند الربيع بن حبيب والألفية، والأجرومية، وقطر الندى، عقيدة العزابة، ومتونا أخرى كانت تعد الأساس في كل علم. وعمره آنذاك لم يتجاوز تسع سنوات.

وبعد عودة أخيه إبراهيم من رحلته العلمية من المشرق، جلس إليه ليملأ وِطابه بما لم يجده عند غيره. لقد كان القطب آية في التحصيل، متقد الفطنة، لا يقنع بما يناله من حلقة أستاذه، بل يعتمد على نفسه، فكان إذا شرع في كتاب مع شيخه، أتم بقية الكتاب لوحده دون الرجوع إلى أستاذه، حتى استطاع نظم مغني اللبيب لابن هاشم في خمسة آلاف بيت وعمره ست عشرة سنة.

ولما استطال باعه في شتى العلوم، اعتمد على نفسه وأقبل على المكتبات الموجودة بوادي ميزاب يلتهم ما في بطونها، فاستفاد من مكتبة شيخه محمد أزبار بعد أن تزوج ابنته، كما تحصل على خزانة خاله عمر نتموسني بعد أن تزوج ابنته أيضا، إضافة إلى مكتبات أخرى، كمكتبة أخيه إبراهيم، ومكتبة عبد العزيز الثميني، التي جعلها نجله تحت تصرف القطب.

وقد كان القطب –رغم عوزه- يبذل النفيس لاقتناء أي كتاب يسمع به، إما عن طريق الحجاج الميزابيين، أو بتأجير من ينسخها له من أهل البلد الذي يوجد فيه الكتاب. وبهذا استطاع القطب أن يكون مكتبة زاخرة، ساعدته على تكوينه العصامي.

وتجدر الإشارة إلى أنّ القطب لم يخرج من وادي ميزاب كثيرا، إلاّ ما كان ينظمه من رحلات موسمية إلى بريان والقرارة وأخرى إلى ورجلان. إضافة إلى رحلتيه إلى البقاع المقدسة، الأولى كانت سنة 1290هـ، والثانية سنة 1303هـ.

4-عمله في التدريس :

كان القطب يعد التدريس أكبر عبادة، وأحسن وسيلة لإنقاذ الإسلام و المسلمين من براثين الاستعمار. فجلس للتدريس مع أخيه إبراهيم وهو في سن الخامسة عشر، واستمر في جهاده طيلة عمره، في الحضر و السفر دون انقطاع، وحتى في أيام العطل.

ولما بلغ العشرين من عمره أصبح أكبر عالم في وادي ميزاب، ففتح معهدا للتدريس في داره، فكان أول معهد أنشأ في وادي ميزاب تدرس فيه جميع الفنون، و يؤمه أكبر عدد من الطلبة، من ميزاب وغيره، مما أزعج السلطات الفرنسية فصارت تراقب كل نشاطاته

حرص القطب على استغلال وقته، فوضع لتدريسه برنامجا محكما من الفجر إلى آخر الليل موزعا كالآتي:  وكان يعمل حوالي 16ساعة في اليوم تقريبا

 بعد صلاة الصبح: دروس في المسجد لعامة الناس.

 بعد الضحى إلى أول الزوال: دروس لتلاميذه على شكل حلقات.

 بعد العصر إلى المغرب: جلوس للإفتاء.

 بين المغرب والعشاء: تحضير للدروس.

 بعد العشاء إلى ساعة متأخرة من الليل: اشتغال بالتأليف.

وقد تخرج على يده جمع من الطلبة الذين حملوا لواء الإصلاح من بعده، معتقد بأن الإصلاح أفكار وجهود لا تتعلق بالرجال ومن هؤلاء نذكر صالح بن عمر لعلي، سعيد بن علي تعاريت، سليمان بن عبد الله الباروني، أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، أبو اليقظان إبراهيم بن عيسى، حمو بن باحمد بابا وموسى، حفار إبراهيم.

5- جهوده الاجتماعية:

لما علم القطب أنّ سبب تدهور أوضاع المجتمع هو الجهل، وأنّ أي تغيير لابد أن يكون مبنيا على أسس علمية، أدرك أنّ المسؤولية ملقاة على عاتقه؛ نظرا لقلة العلماء في عصره، فحاول في البداية استخدام الأسلوب المباشر في محاربته لبعض البدع التي كانت منتشرة؛ مما أورثه أعداء ومعارضين، و سبب له متاعب في مجتمعه؛ وصلت إلى حد نفيه إلى بلدة بنورة.

بعدها تيقّن أنّ أسلوب المواجهة لا يجدي نفعا، فحاول التدرج في الإصلاح، وتحين الفرص، مستعينا في ذلك بوسائل شتى أهمها:

الوعظ والإرشاد: بخاصة بعد تولّيه مَشيَخة حلقة عزّابة بني يزقن.

الإفتاء في بلده وخارجه: وكان يعتبر رد السائل أبغض شيء لديه.

التدريس: فحاول العناية بالشباب، وتسليحهم بالعلم، الذي يعتبر أحسن وسيلة للنهوض بالأمة.

التأليف: الذي كان يراه أحسن وعاء لحمل أفكار الإصلاح، وضمان استمرارية النهضة الفكرية التي يقودها.

ومن البدع التي حاربها، واستطاع أن يقضي على كثير منها نذكر:

تقديس بعض الأموات، واعتقاد الضرر والنفع فيهم، والبناء على القبور.

شيوع أنواع من التحية في المجتمع بدل تحية أهل الجنة، حتى نُعت هو وأنصاره من تلاميذه هزؤا بـ: "آت السلام عليكم"، أي أهل السلام عليكم.

ما كان يُعتقد من أنّ الطهارة تجب على الرجل دون المرأة؛ بل لا يجوز لها الاغتسال والوضوء، فبين أنّ الرجل والمرأة في ذلك سواء.

 

6- جهوده ضد المستعمر:

لماّ أصبح الاستعمار على مشارف ميزاب، كان القطب في عنفوان شبابه؛ فأبدى معارضة شديدة لمعاهدة الحماية التي أبرمها قومه مع السلطات الاستعمارية سنة1853م؛ حتىّ أعلن البراءة ممّن تولوا عقد المعاهدة. ودعا إلى محاربة الاستعمار، الذي اعتبره مظهرا من مظاهر الشرك.

ولما احتلت السلطات الفرنسية ميزاب سنة: 1882م، أظهر القطب احتجاجه على خرق المعاهدة. فاعتقل لبضعة أيام؛ خوفا من أن تتسع حركته الاحتجاجية، ثم أُطلِق سراحه ووضع تحت إقامة جبرية ، حتى يكون تحت أعين المراقبة.

ولما أدرك القطب أنّ الاستعمار قد أحكم السيطرة على الأوضاع، عمد إلى منهج أجدى، يتمثل في استنهاض الهمم، وإعداد ثلة من الرجال المتشبعين بالثقافة الإسلامية الأصيلة، لتحقيق الأمل المنشود.

كما سخر قلمه لذلك، فكان يبعث برسائل إلى المستعمر يحتج فيها على بعض تصرفات الحكّام، ويطالب باحترام حقوق الأفراد، والقوانين المعمول بها في بلده، بأسلوب يمتاز بالغلظة أحيانا، وبالسخرية أحيانا أخرى، مبرزا فيه احتقاره للمستعمر، ومقته للشرك والمشركين.

7-آثاره الفكرية :

أحسن ما وجدناه في الموضوع، ما أثبته الباحث مصطفى ونتن، بعد استقصائه للمكتبات، و اطلاعه على مؤلفات القطب، حيث أورد قائمة بها مائة وخمسة وثلاثين أثر، إلاّ أنّ هذا لا يعد التحديد الدقيق لآثاره، إذ يمكن أن تكون أكثر من ذلك؛ بالنظر إلى كون أغلب مؤلفاته لا يزال مخطوطا، إضافة إلى أنّه كان يبعث بمؤلفاته إلى أقرانه لنسخها، فإما أن تبقى في تلك الديار، أو أن تضيع في الطريق.

 مجالات تأليفه: هي تزيد عن خمسة وعشرين (25) نوعا، من فنون الثقافة. منها: الأخلاق، والأصول، والبلاغة، والتفسير، والتجويد، والتوحيد، والجبر، والتاريخ، والسيرة، والحساب، والطب، والعروض، والقافية، والفقه، والفلك، والفرائض، والفلسفة، واللغة، ومصطلح الحديث، والمنطق، والنحو، والوعظ.

 

 

8-أسباب كثرة مؤلفاته :

لقد عانى القطب في نشأته الفقر وشظف العيش، فكثيرا ما كان يشتكي من عدم تمكّنه من نسخ الكتب، ويتحرج من زيارة العلماء له؛ لفقره وعدم إعانة قومه له.

إن القطب أولى عناية كبيرة للتأليف، وخصص له أغلب أوقاته، فكان لا ينقطع عنه، حتى في سفره وهو راكب على دابته.

تأثره بشيخ أساتذته عبد العزيز الثميني، الذي اشتغل بالتأليف.

قلة علماء المذهب الإباضي الذين تصدوا للتأليف في عصره، خاصة في المغرب، لانشغالهم بمهام اجتماعية فحاول أن يسد تلك الثغرة، ويتحمل ذلك الواجب الكفائي عن غيره، حيث يقول في رسالة بعثها إلى علماء عمان: «..إنا كفيناكم مؤونة التأليف، فما عليكم إلاّ أن تقرأوا».

إنه كان يعتبر التأليف أهم وسيلة لنشر العلم وإصلاح المجتمع،

كثرة الطلب على مؤلفاته، خاصة من طرف العمانيين.

حرصه على اقتناء الكتب، فكان لا يسمع عن كتاب إلا ويرسل من يبتاعه أو ينسخه له، فكوّن بذلك مكتبة عامرة، وفّرت له المادة الخصبة للتأليف

أن الله أطال من عمره، وأمده بصحة جيدة سليمة، وقدرات كبيرة، كانت عونا له على التأليف.

إن القطب رحمه الله، لم يجد الطريق أمامه مفروشا بالورود والأزهار بل وجده مفروشا بالأشواك والأحجار، وبعد جهاد مستميت رأى بعينه أن الشجرة الإسلامية التي غرسها أصبحت تؤتي أكلها الطيب إذ رأى أن طلابه قوة فعالة في النهضة الإسلامية الحديثة في عمان ومصر والمغرب العربي، لكن قضاء الله لا مناص منه بحيث اعتلت صحته بالحمى التي جعلته طريح الفراش لمدة ثماني أيام كاملة فوفاه الله في يوم السبت 23ربيع الثاني 1332هـ الموافق لمارس 1914م- فرحمه الله وأسكنه جنات الخلد.

 

 

 

 

 

 

2013-12-04

wardawarda.nina22@yahoo.com

الله يرحمه ويرحم كل الشهداء

 
الاسم
البريد الالكتروني
الرد
حروف الشيفرة
اضافة رد