مساهمات فكرية

هل نحسن فن الإنصات ؟؟
العنوان هل نحسن فن الإنصات ؟؟
الكاتب أ. يونس بن عيسى بباز
المجال متنوعة
التاريخ15-07-2014
عودة إلى القائمة

هل نحسن فن الإنصات ؟؟

مسجد التقوى : 15.07.2014

إعداد و تقديم : يونس عيسى بباز

 

مقدمة

تعريف المصطلحات :

1 ـ المهارة :

        توفر القدرة اللازمة لأداء سلوك معين بكفاءة تامة وقت الحاجة إليه . كالقراءة والكتابة ، ولعب الكرة ، والسباحة ، وقيادة السيارة و القدرة على الإنصات الجيد.

2 ـ السماع :

       مجرد التقاط الأذن لذبذبات صوتية من مصدرها دون إعارتها أي انتباه ، وهو عملية سهلة غير معقدة ، تعتمد على فسيولوجية الأذن ، وسلامتها العضوية ، وقدرتها على التقاط الذبذبات .

·     الأذن و حاسة السمع:

Ø          دراسة تشريحية:

الأذن تتكون من ثلاثة أجزاء: أذن خارجية، ووسطى، وداخلية. 
الأذن الداخلية هي العضو الرئيس في السمع وهي التي تبدأ في التخلق أولاً،
ومن ثم تتلخص تكوين الأذن الخارجية والوسطى والداخلية في كلمة  "شقَ سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين

3 ـ الإنصات :

     تركيز الانتباه على ما يسمعه الإنسان من أجل تحقيق غرض معين .

4 ـ الاستماع :

      مهارة معقدة يعطي فيها الشخص المستمع المتحدث كل اهتماماته ، ويركز انتباهه إلى حديثه ، ويحاول تفسير أصواته ، وإماءاته ، وكل حركاته ، وسكناته,

      من المفاهيم السابقة نستنتج أن السماع عملية فسيولوجية تولد مع الإنسان وتعتمد على سلامة العضو المخصص لها وهو الأذن . في حين يكون الإنصات والاستماع مهارتين مكتسبتين . والفرق بين الإنصات والاستماع : اعتماد الأول على الأصوات المنطوقة ليس غير ، بينما يتضمن الاستماع ربط هذه الأصوات بالإماءات الحسية والحركية للمتحدث .

- معانى السمع في القرآن الكريم.

Ø              يتضمن السمع ثلاث درجات معروفة في علم وظائف الأعضاء، وهي مذكورة في كتاب الله تعالى،

 فأول ذلك:

·                   الإحساس بالصوت دون فهم،( السماع ) وذلك مثل:

مثل الطفل الوليد الذي لا يفقه معنى الكلام وهو يحس بالصوت لكنه لا يفقه معناه، أو كالدواب السارحة التي إذا نعق بها راعيها، أي دعاها إلى ما يرشدها فلا تسمع إلا دعاءه ونداءه، فلا تفهم ما يقول، بل إنما تسمع صوته فقط، وهذا مذكور في قول الله تعالى: 
"وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء" [البقرة: 171] 
والثاني:

·       الإحساس بالصوت مع الفهم ( الإنصات ) وذلك في قوله تعالى: 
"وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" [البقرة: 75] 

والثالث:

· الإحساس بالصوت مع الفهم بالإضافة إلى الاقتناع والإيمان والطاعة ( الإستماع ) وهي أعلى درجات السمع التي تُمنح للمؤمنين كما في قوله تعالى: "إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ.."[الأنعام: 36] 

" و إذا قرأ القرآن فاستمعوا له و أنصتوا لعلكم ترحمون "الأعراف 204

 

Ø     هذه المعاني الثلاثة تتوافق مع ما هو معروف في:

لم وظائف الأعضاء من الإحساس بالصوت والتمييز والفهم  و

    -الوظائف العليا الأخرى للمخ التي تتضمن العواطف والإرادة والتصرفات.

والقرآن العزيز فرّق بين  السماع و  الاستماع و الإصغاء   والإنصات بطريقة بليغة ودقيقة ومناسبة للموقف
فالسمع يكون بقصد ومن دون قصد، ومثاله في كتاب الله العزيز قوله تعالى: "وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ" [القصص: 55] 

والاستماع يكون بقصد من أجل الاستفادة

 قال الله تعالى:

"وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ "[الأحقاف: 29] 
والإصغاء: حيث التركيز وتفاعل القلب والمشاعر،

 قال تعالى:

" إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا" [التحريم: 4] 

والإنصات هو ترك الأشغال والسكوت والتفرغ للاستماع،

 "وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" [الأعراف: 204] 
وعن أبي موسى الأشعري قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "إنما جُعِل الإمام ليؤتمّ به فإذا كبّر فكبّروا وإذا قرأ فأنصتوا". أخرجه مسلم في صحيحه ورواه أهل السنن.

 

شروط  الاستماع الجيد  : 

      لصعوبة مهارة الاستماع ، واعتمادها على عدد من أجهزة الاستقبال ، لا يمكن تحققها إلا بتوفر عدة شروط ، أهمها : ـ

1 ـ الجلوس في مكان بعيد عن الضوضاء .

2 ـ النظر باهتمام إلى المتحدث ، وإبداء الرغبة في مشاركته .

3 ـ التكيف ذهنيا مع سرعة المتحدث .

4 ـ الدقة السمعية التي بدونها تتعطل جميع مهارات الاستماع .

5 ـ القدرة على التفسير ، والتمثيل اللذين عن طريقهما يفهم المستمع ما يقال .

6 ـ القدرة على التمييز بين الأصوات المتعددة ، والإيماءات المختلفة .

7 ـ القدرة على التمييز بين الأفكار الرئيسة ، والأفكار الثانوية في الحديث .

8 ـ القدرة على الاحتفاظ بالأفكار الرئيسة حية في الذهن .


أهمية السمع عند المولود الجديد:

"وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ "[النحل: 78] 

 

Ø   ولما كانت الأذن هي الحاسة المكتملة وحدها عند الولادة كان من سنته صلى الله عليه وسلم أنه يؤذن في أذن المولود، كما في الحديث الذي رواه الترمذي عن عبيد الله أبي رافع عن أبيه قال: " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أذّن في أُذُن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة". 

Ø   أشد الأصوات تأثيراً على برمجة دماغ الطفل عندما يكون مولوداً حديثاً، وربما ندرك الحكمة النبوية الشريفة من التكبير في أذن المولود (طبعاً بصوت منخفض لكي لا نؤذي الطفل) لتكون أول كلمات يستقبلها دماغه هي (الله أكبر)! لأن هذه الكلمات تساهم في برمجة خلايا الدماغ لدى الطفل على صوت الحق، ليبقى هذا النداء (الله أكبر) مطبوعاً في دماغه حتى نهاية حياته.

 

-   حال مجتمعاتنا مع هذا الخلق:

هل نحسن حقا  فن الإنصات ؟؟؟

Ø   مع والدينا ؟  ...الرغبة في رؤية الطبيب لا ليفحصهم بل ليستمع إليهم

Ø   مع أبنائنا ؟  " سياسة ما أريكم إلا ما أرى..."

Ø   مع أزواجنا ؟   "          "          "

Ø   مع معاشرينا ؟  "         "          "

في مجالس الصلح و فك النزاعات ! غلق النافذة ثم ترتيب المكتب

- الرسول ص و خلق الإنصات.

·       مع أزواجه – عائشة- " أم زرع مع أبي زرع"

·       مع الوليد

·       مع الحباب بن المنذر

 

حسن الإنصات و الاستماع يكسب محبة الآخرين و يعلم خلق الانقياد للحق.

 

عجبا للمؤمن الذي يسمع قول الله تعالى...

" إن الذين ياكلون أموال اليتامى ظلما إنما ياكلون في بطونهم نارا و سيصلون سعيرا " النساء 10

...ثم لا يستجيب

" يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم و لا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن و لا تلمزوا أنفسكم و لا تنابزوا بالألقاب بيس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون " الحجرات 11

" يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا لأن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين  " الحجرات 06

" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مومنين"

" يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم و لا تجسسوا و لا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه و اتقوا الله إن الله تواب رحيم " الحجرات 12

" قل للمومنين يغضوا من أبصارهم و يحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون و قل للمومنات يغضضن من أبصارهن و يحفظن فروجهن..." النور30-31

" و من يعص الله و رسوله و يتعد حدوده ندخله نارا خالدا فيها و له عذاب مهين   " النساء 14

Ø                       "وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ" 25

 

Ø    الإنسان البعيد عن الله والغارق في الملذات لا يفقه من القرآن شيئاً وكأنه بلغة أعجمية :

 قال تعالى :

"وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْراً "

 الأكنة جمع كنان ، والكنان هو الغطاء .
 
أنا سافرت إلى بلاد كثيرة ، في بعض البلاد لا يمكن أن أفهم حرفاً واحداً من لغتهم ، ولا الأرقام ، فلو أنني استمعت إلى محاضرة بتلك اللغة هل أفقه بالمئة خمسة منها ؟ ولا واحداً بالمئة ، ولا واحداً بالمليون ، ولا حرف،

 

قال تعالى  "وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ " سورة الشعراء

 

 لو أن إنساناً عربياً قُحاً بعيداً عن الله عز وجل ، غارقاً في ملذاته وشهواته ، وقرأ القرآن لا يفقه منه شيئاً وكأنه بلغة أعجمية ،

"كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ"

 لذلك قال تعالى :

" وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى" فصلت 44

"وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً "لإسراء 82

الذي لا يفقه القرآن لا يريد إلا الدنيا لأن الذي يحب الشيء يجعله أعمىً وأصماً عن الحق:

 قال تعالى :

" وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْراً "الأنعام

"وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ۚ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۖ وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا"   الكهف  57 .

Ø   الشهوات المستعرة في نفوسهم كانت حجاباً بينهم وبين القرآن ، فما فهموا شيئاً .

Ø    سؤال دقيق :   لماذا يجلس في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم أناس فهموا هذا القرآن وفاضت أعينهم من الدمع ، وأناس لم يتأثروا به إطلاقاً ما السبب ؟ هنا المشكلة ، الجواب عن هذا السؤال هو مفتاح هذه الآية ، هذا الذي تفكر في خلق السماوات والأرض ، وآمن بآيات الله الدالة على عظمته ، أولاً حينما يتلو القرآن الكريم يتصور أنه نزل من عند الخالق فهو يصغي إليه ، أما هذا الذي لم يتفكر في خلق السماوات والأرض أصلاً ، ما تفكر إلا في حظوظه ، وشهواته ، وأهوائه ، ونزواته ، ومصالحه ، هذا لا يفهم شيئاً ، لذلك :
 
السبب في أن زيداً يفهم ، وعبيداً لا يفهم ، في أن فلاناً بكى من شدة التأثر ، وأن فلاناً بعيد بعد الأرض عن السماء عن أن يبكي ، السبب أن الأول طلب الحقيقة ، والثاني ما طلبها

 

﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ﴾

 يستمعون إليك لينتقصوا ، يستمعون إليك ليكشفوا بعض الضعف ، يستمعون إليك لينتقدوك ، يستمعون إليك وشهوة السيطرة والكفر متمكنة في قلوبهم ، لأنهم كذلك شاءت حكمة الله ، وشاءت عدالته أن يكون حجاباً بينهم وبين هذا القرآن .

الكفر يجعل قلوب الكفار مغلفة:

Ø   مبدأ طلب الحقيقة

"قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ " سبأ 46

﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ [يونس: 42] أي المعرضين، ﴿وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ * وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ﴾ بعين نقص ﴿أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ أي المعرضين ﴿وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ [يونس: 43].

قال: ولا حجة في تقديم السمع على البصر هنا فقد أخبر في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ [هود: 24].

Ø   الجزاء يوم القيامة:

"ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما"  الإسراء : 97

" يستجيب " معناها أنهم يطيعون أمر الآمر ونهي الناهي.

وهناك فارق بين " الاستجابة " و " الإجابة "؛ فـ " الاستجابة " هي: أن يجيبك من طلبت منه إلى ما طلبت ويحققه لك، و " الإجابة " هي: أن يجيبك من سألت ولو بالرفض لما تقول، وقد يكون الجواب ضد مطلوب ما سألت. ويقول الحق: { إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ } أي أن الذين يستجيبون لنداء الحق هم الذين يسمعون بآذانهم وقلوبهم مصدقة؛ لأن هناك فارقاً بين سماع ظاهره سماع وباطنه انصراف، وبين سماع ظاهره طاعة وباطنه محبة لهذه الطاعة. ونعلم أن استقبال المسموع شيء، وانفعال الإنسان بالمسموع شيء آخر " متولي الشعراوي"

 

و الحمد لله رب العالمين

 

 

 

الاسم
البريد الالكتروني
الرد
حروف الشيفرة
اضافة رد