مساهمات فكرية

حول الدين والعلم
العنوان حول الدين والعلم
الكاتب أ. عبد الهادي بن يونس الشيخ صالح
المجال متنوعة
التاريخ22-07-2016
عودة إلى القائمة

حول الدين والعلم

عبد الهادي الشيخ صالح

 

قد يلاحظ أي طالب علم أو باحث في العديد من مجالات المعرفة الانسانيّة المختلفة في عالمنا اليوم، خاصة وإن تَملَّك هذا الباحث تطلُّعا فلسفيًّا وأَلَقًا ابستيمولوجيا واهتماما بروح العلم وتاريخ وفلسفة العلوم بعيدا عن الجزئيات التقنيَّة، للاحظ انفصاما واضحا جليًّا وحربا مستعرة معلنة بين العلم والدين بين العقل والوحي، بين رجال الدين ورجال العلم بين الطبيعة والإله ... إلى درجة قد تصل إلى التعجّب والاستغراب، تستدعي طرح سؤال بسيط في مبناه عميق في معناه قد يعتبر حتى محوريا في فلسفة العلم: ما علاقة الدين بالعلم؟ لم كل هذا التوتر بين الدين والعلم؟ وما سبب التشنُّج بين رجال الدين ورجال العلم؟ هل لما نعيشه اليوم في الأوساط الأكاديمية المعرفية من ازمات مسَّت الغاية من العلوم أسبابًا وجذورًا تاريخية لها لا نزال نتجرع وقعها وأثرها إلى اليوم؟ والهدف في النهاية محاولة فهم السياق والانطلاق في الدراسة والبحث الاسهام على اثره.

ولكن بعد ذلك.. ما إن يخطو هذا الباحث خطى حذرة متمهِّلة دارِسة نحو الوراء، باحثا في جنبات وثنايا صفحات التاريخ، متسائلا عن السياق والنموذج المهيمن في بعض الأزمنة، لربط السبب بالنتيجة وما قبل بما بعد، ولوجد أن من بين أهم الأسباب المؤثرة على ما حصل ويحصل الان، ما مرّ به مفهوم "الدين" داخل المنظومة الغربية في عصور لها تسمى مظلمة. وأن لطبيعة شبكة العلاقة التي سادت الجو في تلك الفترة بين رجال العلم ورجال الدين أثرا مباشرا لما نعيشه من أزمات معرفية في وقتنا، من تضييق على العلماء و محاكم التفتيش ومن قتل وتعذيب، والضغط على آخرين مقابل التراجع عن آرائهم والنكوص عن قناعاتهم العلمية "المبرهنة" والتي قد لا تمت بصلة مباشرة للدين كالفلك والهندسة مثلا ولكن تم ربطها بشكل سلبي مباشر مع الدين جرّاء فهم حرفي مختزل لنصوص الكتب المقدسة بعيدا عن ادنى محاولة أو اجتهاد عقلي نقدي يجمع الطرفين. وهذا ما حاول برتنارد راسل أن يشرحه ويسلط الضوء عليه بالتفصيل في كتابه العلم والدين وهو أيضا ما حدث مع الفلكي الرياضي جاليليو حينما دافع عن نظرية كوبرنيك والتي بينت أن مركز الكون ليس كوكب الأرض كما كان مزعوما ولكهنا الشمس وأن الأرض لا تعدو كونها كوكبا صغيرا ضمن المنظومة تدور حول الشمس، فمجرد هذه القناعة التي أثبتها رياضيا وفلكيا العالم في ذلك الوقت جلبت له تبعات جسيمة ونتائج مباشرة عليه من قبل رجال الدين. وبكل بساطة كون أساس الاختلاف الجذري مع طرح كوبرنيك وجاليلي في عدم تصديق رجال الدين لاحتمالية امكان نزول المسيح على أرض ليست مركزا للكون، بل فقط في كوكب جانبي هامشي منه. وهو ما حدث أيضا مع الفيلسوف برونو الذي حكم عليه بالموت حرقا في احد ساحات إيطاليا نتيجة لآراء علمية فلسفية.

اذن فللصراع أصول تاريخية وسياق واقعي جد محدد، وما هو مهم أن يحاول المرء أن يدرس الصراع تحت ضوء وعلى وقع نغمات السياق ليتمكن من فهم ما يقول الآخر ولمعرفة من أي خلفية ينطلق وعلى ما يستند، فللأسف رجال الدين الذين كانوا يطلون على رجال العلم من نافذة بعيدة مرتفعة حاملين بين ايديهم "سوط" الدّين مستندين على خطاب قهري دوغماتي لا حواري متفهم، أو تجديدي باحث، كرس عداوةً وغرس بغضاء في قلوب رجال العلم ضدَّهم، ما جعلهم يطلِّون هم الآخرين أيضا عليهم من نفس النافذة في النهاية بعد انقلاب الموازين وبعد أن ثار العلم وفصل الدين بعيدا عنه، وبعد أن اختُزِل الدين في حرية شخصية مقصورة على مساحة فردية منفصلة عن الحياة العامة، لتنقلب الثنائية الاختزالية القطبية التي كانت من جهة الدين إلى أخرى مماثلة لها في المنهج والمبدأ مختلفة في الاسم والشكل. "لينتج بذلك دين جديد أبعد الدين"، وحاول الاستناد فقط على العلم "المطلق"، على العقل على التجربة والطبيعة، محاولا اتباعه فهم الكون والأسئلة الكونية الوجودية من منظار واحد هو العلم وأن يختزلوا كل ما يحويه الكون البديع من كواكب ومجرات ونجوم وكائنات في معادلات رياضية فزيائية. ونتج في النهاية الكثير من العلوم والنظريات الفلسفية والمعارف والنماذج المعرفية، في مختلف العلوم، الكثير منها لا تزال مهيمنة على العلوم حتى وقتنا الحالي كالتي تفسر نشوء الكون نتيجة لانفجار كبير، أو أن اصل كل الكائنات الحية كان من وحدة صغيرة تسمى "Luca" نسبة إلى -Last Universal Cell Anccestor- الأوتار الفائقة، النظرية النسبية، everything theory، الشكوكية ... وغيرها من النظريات أو النماذج المعرفية المهيمنة على علوم مختلفة كالعلوم الفيزيائية والطبيعية والرياضية وحتى الاقتصادية وغيرها من المجالات التي راح ضحيتها مفهوم واحد أساسي "انسانية الانسان وتناغمه مع بعديه الوجداني والمادي"، بعد أن أصبح Homo sapiens أصبح Homo labor ليصبح بعد ذلك Homo faber. هذا ومن بين افرازات انقلاب الثنائية أنها قدمت سلطة مطلقة لرجل العلم ان يتكلم ويبدي رأيه ويفسر إضافة للعلم، مواضيع مختلفة متعلقة بالكون بالحياة بالدين من وجهة نظره "العلمية"، ولكن رجل الدين أغلق عليه في قفص خاص دون أن يتمكن من مناقشة أي موضوع قد يتعدى بشكل قليل جدا حدود تخصصه الديني.

لكن المشكل...

لكن المشكل الذي صدم الكثير من رجال العلم والكثير من المنظرين للكثير من النظريات والنماذج المعرفية التي تقصي الدين تماما من روحها ونموذج تفسيرها، بكونها أغفلت جزءا روحيا هو أصل في خلق الانسان وهو تطلعه الغيبي للسماء، فانتهى بهم الحال إلى حالات مختلفة من التصوف، وكأنه بشكل غير مباشر رمي للمنشفة واقرار بالطريق المسدود. ويبين برتراند راسل ذلك في كتابه الدين والعلم حينما يقول في النهاية "أن هذه الحرب كانت مستعرة بين الدين والعلم وليس بين الدين ورجال العلم" وهذا ما يذكرني بكلام الأستاذ مراد هوفمان في كتابة "خواء الذات والأدمغة المستعمرة" حينما يقول: "ينبغي أن تتشارك أنوا العقل وأنوار الإيمان داخل تركيبة معرفية عظيمة" وإلا فيحدث النشاز وتغيب البوصلة ويغيب التناغم وسيضل الانسان أثره وهدفه من رحلة المسير. بكل اختصار غاية كونه انسانا.

أخيرا وفي واقعنا الاسلامي الحالي، لا تزال ارهاصات النقاش الذي مرت به المنظومة الغربية ولا تزال من صراع بين العلم والدين، تصلنا وتمسنا بشكل مباشر وذلك لكون العالم الاسلامي جزءا من المعادلة العالمية، ولكن من مواقف وتبنيات ووجهات نظر مختلفة، -وأقصد بالعالم الاسلامي رجال العلم في العالم الاسلامي- فمنهم من اعتمد النظريات وانساق وراءها بشكل مباشر، وقد التقينا نماذج كثيرة منهم في مدرجات الجامعة مثلا ومن هؤلاء من يعتبرون نظرية التطور مثلا ليس فقط نموذجا معرفيا بل حقيقة علمية مطلقة مفسرة للخلق لا يمكن مناقشتها أو طرح اسئلة حولها، ومنهم من استوردها واعتمدها على المستوى التقني وأضاف فقط الصبغة الاسلامية لها دون نقاش عميق عن الفلسفة والمبادئ الأساسية المنبنية عليها. ومنهم صنف له حضور مهم أيضا ممن يحاول أن يترك أي نموذج تفسيري على مستوى النظرية وضمن اطار الجهد الانساني، محاولا النسج والانطلاق من منطلق اسلامي توحيدي مستنير بالوحي ومستلهم من كتاب الله تعالى ليبني نماذج بديلة... لكن يبقى هنالك الكثير من العمل على المستويات الفلسفية والتقنية والبراديغمية، مع وجود اختلاف اليوم في السياق العلمي الاسلامي فيما يتعلق بالقران الكريم: هل هو المنطلق للوصول إلى النتائج العلمية؟ أم الانطلاق من العلم للوصول إلى ما القرآن؟ أم فصل تام للعلم عن القران؟ ذلك أن القرآن كتاب تعبدي ينير للإنسان منهاجا ومبادئ أساسية يعيش بها ضمن منظومة كونية، ليس له علاقة بجزئيات العلم النسبية –العلوم التقنية خاصة- الكثير من الجهود ومحاولات الاسهام واجبة في هذا السياق، خاصة "الجهود الجمعية" التي لا تقصي رجل الدين من النقاش العلمي ولا رجل العلم من النقاش الديني ولكن تجمع الجميع في طاولة مستديرة، لكل رأي خاص ولكل وجهة نظر للبناء الجماعي والنسج الجمعي، ويمكن أن نحيل في هذه النقطة للرد الذي اسهم به البروفيسور طارق رمضان خلال نقاشه مع ريتشارد داوكينز بخصوص موضوع الدين والعلم والذي تكلم بتفصيل عن هذه النقطة... 

والله أعلم.

 

أ. عبد الهادي يونس الشيخ صالح

الاسم
البريد الالكتروني
الرد
حروف الشيفرة
اضافة رد